د. هبة توفيق أبو عيادة
تمرّ على الإنسان مواسم كثيرة، لكن ليست كل الأيام متشابهة عند الله. فهناك أيام يفتح الله فيها أبواب رحمته على اتساعها، ويقرّب فيها عباده إليه، ويمنحهم فرصًا قد لا تتكرر في أعمارهم الطويلة.
ومن أعظم تلك المواسم عشر ذي الحجة؛ الأيام التي لم يكتفِ الله بذكر فضلها، بل أقسم بها في كتابه الكريم، فقال: {وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ}. وحين يُقسم الله بشيء، فاعلم أن وراءه عظمةً لا يدركها الغافلون بسهولة.
لكن السؤال الذي يهزّ القلب فعلًا: كيف نغفل عن أيام أقسم الله بها؟ كيف تمر علينا وكأنها أيام عادية، بينما فيها من النفحات والرحمات ما قد يغيّر مصير إنسان إلى الأبد؟
عزيزي القارئ في زحمة الحياة، أصبح كثير من الناس يؤجلون التوبة، وكأن الأعمار مضمونة، وكأن الموت يرسل موعدًا قبل أن يأتي. تمرّ الأيام سريعًا، ويأكل التعب أرواحنا، وتتراكم الذنوب بصمت، حتى يصبح القلب مثقلًا لا يشعر. ثم تأتي عشر ذي الحجة كنافذة نور وسط هذا الركام، كنداء رحمة يقول لكل من أرهقته الحياة: ما زال الباب مفتوحًا.. فعُد.
ما أجمل أن يستقبل المؤمن هذه الأيام بقلب مختلف، لا بعادة متكررة. أن يشعر أن الله منحه فرصة جديدة ليقترب، ليُصلح ما أفسدته الغفلة، وليغسل روحه من قسوة الأيام.
ففي هذه العشر، تتضاعف الحسنات، وترتفع الدرجات، ويحب الله فيها العمل الصالح حبًا عظيمًا. حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن العمل الصالح فيها أحب إلى الله من غيرها من الأيام. إنها ليست مجرد أيام في التقويم؛ بل مواسم لصناعة النجاة.
كم من شخص يعيش بين الناس مبتسمًا، بينما داخله مليء بالخذلان والذنوب والهموم والانكسارات؟ وكم من قلب أنهكته المعاصي حتى فقد لذة الطاعة؟
لكن رحمة الله أوسع من كل ذلك: فربما سجدة صادقة في هذه الأيام، ربما دمعة ندم في جوف الليل، ربما صدقة خفية لا يعلم بها أحد، تكون سببًا في أن يبدّل الله حالك كله. فالله لا ينظر إلى كثرة أعمالنا بقدر ما ينظر إلى صدق قلوبنا.
وفي هذه العشر، لا تبخل على روحك بالخير. أكثروا من التكبير، فالقلوب تحيا بذكر الله. أكثروا من الاستغفار، فكم من ذنب أثقل أرواحنا ونحن لا نشعر. اقتربوا من القرآن، ففيه الطمأنينة التي يبحث عنها العالم كله ولا يجدها. تصدقوا ولو بالقليل، فرب صدقة صغيرة سبقت جبالًا من الأعمال لأنها خرجت من قلب صادق. هناك فقير ينتظر رغيفًا، ويتيم ينتظر دفئًا، ومحتاج قد يغيّر الله حياته بسبب عطائك. فلا تحتقر أثر الخير مهما بدا بسيطًا.
أما الصادقون الذين يعرفون قيمة هذه الأيام، فهم لا يرونها موسمًا عابرًا، بل محطة إيمانية يعيدون فيها ترتيب أرواحهم. يراقبون ساعاتها كما يراقب العطشان قطرات الماء. يخافون أن تمرّ دون دعوة صادقة، أو ركعة خاشعة، أو عمل يقرّبهم من الله. لأنهم يدركون أن أعظم الخسارة ليست خسارة المال أو المكانة، بل أن تمرّ مواسم الطاعة والقلب غارق في الغفلة.
ويأتي يوم عرفة، تاج هذه الأيام المباركة، فيفيض الله على عباده من رحمته ما تعجز الكلمات عن وصفه. يوم تُعتق فيه الرقاب، وتُجاب الدعوات، وتبكي القلوب التي عادت أخيرًا إلى الله.
هناك أناس سيدخلون عرفة وهم مثقلون بالذنوب، وسيخرجون منه وقد كتب الله لهم بداية جديدة. فلا تحرم نفسك من هذه الرحمة بسبب تسويفٍ قاتل أو انشغال لا ينتهي.
إن أخطر ما يصيب الإنسان ليس الذنب ذاته، بل اعتياده للذنب حتى لا يعود يشعر بثقله. وأخطر من الغفلة أن يظن الإنسان أن أمامه وقتًا طويلًا للتوبة. كم شخص كان بيننا في العام الماضي، ثم غاب اليوم تحت التراب. وكم إنسان كان يؤجل العودة إلى الله حتى باغته الرحيل. لذلك تأتي عشر ذي الحجة لتوقظ القلوب قبل فوات الأوان، وتقول لنا: عودوا إلى الله الآن.. قبل أن يصبح الرجوع أمنية مستحيلة.
فيا من أثقلتك الدنيا، ويا من أرهقتك المعاصي، ويا من ضاع قلبك بين هموم الحياة، هذه أيام الرحمة قد أقبلت، فلا تخرج منها كما دخلت. أصلح ما بينك وبين الله، وأكثر من الدعاء، وسابق إلى الخير، وأيقظ قلبك قبل أن يبرد بالإهمال. فرب عمل صغير في هذه الأيام، ترفعه النية الصادقة، يكون سببًا في نجاتك وسعادتك إلى الأبد.
قارئنا الكريم، عشرٌ أقسم الله بها.. فكيف نغفل عنها؟ وكيف يمرّ نورها على قلوبنا دون أن يوقظ فيها الشوق إلى الله؟ إنها ليست أيامًا عابرة، بل رسائل رحمة، ومواسم نجاة، وفرص قد لا يمنحها الله للعبد مرتين. جعلنا الله وإياكم من المقبولين فيها يا رب.