صبحي شبانة
الهدنة بمثابة أيام تُمنح للوقت كي يلتقط أنفاسه، وللدبلوماسية كي تواصل تمثيل دورها الأخير على خشبة تتآكل أطرافها، بين واشنطن وطهران لا شيء يُحسم، ولا شيء يُحسم بالكامل، كل ما هناك هو تأجيلٌ محسوب، وإرجاءٌ مشروط، ومساحةٌ رمادية تتسع بقدر ما تضيق الخيارات.
الأصابع لا تزال على الزناد، العبارة لم تعد مجازًا صحفيًا بل توصيف دقيق لحالة تتعايش فيها الرغبة في تفادي الانفجار مع الاستعداد له، في غرف القرار تُصاغ الكلمات بعناية وتُخفى خلف العبارات الناعمة خرائط قاسية وخيارات لا تُعلن، يدرك الطرفان أن أي خطأ في الحساب قد يفتح الباب على مشهد لا يمكن السيطرة عليه، لكنهما يدركان أيضًا أن التراجع الصريح مكلف وربما مستحيل.
الهدنة ليست سلامًا مؤقتًا بل هدير مكتوم، هي أشبه بجسر هش يربط بين ضفتين تتبادلان الشكوك، كل طرف يعبره بحذر وهو ينظر إلى أسفل حيث تجري مياه مضطربة من تاريخ طويل من العداء وسلسلة من المواجهات غير المباشرة التي لم تنقطع يومًا.
المفاوضات تراوح مكانها، هذا التعبير الذي يُستخدم كثيرًا يخفي في داخله حقيقة أكثر تعقيدًا، فالمراوحة ليست عجزًا كاملًا بل هي أحيانًا خيار مدروس، حين لا يستطيع أي طرف أن يفرض شروطه ولا يرغب في تقديم تنازلات تُفسَّر ضعفًا يصبح الجمود شكلًا من أشكال الحركة البطيئة، تقدم بلا إعلان وتراجع بلا اعتراف.
في الخلفية الإقليمية لا تغيب الأدوار الخليجية عن هذا المشهد المعلّق بين الحرب والسلام، فالسعودية تبدو اليوم في موقع فاعل في دعم مسارات الوساطة وفتح النوافذ الدبلوماسية، إدراكًا منها أن أي انفجار واسع بين واشنطن وطهران لن يبقى محصورًا بين حدودهما، بل سينعكس مباشرة على استقرار المنطقة بأكملها، من أمن الطاقة إلى خطوط الملاحة، ومن أسواق النفط إلى توازنات النفوذ في أكثر من ساحة ملتهبة.
الرياض من أولوياتها الخارجية خفض التصعيد وتغليب الحلول السياسية، تدفع باتجاه إنهاء بؤر التوتر في الإقليم عبر أدوات الحوار لا المواجهة، وتتعامل مع الملفات المفتوحة من منطلق براجماتي يوازن بين حماية الاستقرار الإقليمي وصون مصالحها الإستراتيجية المتشابكة مع محيطها العربي والدولي، هذا الحضور لا يقوم فقط على ردود الفعل، بل على محاولة صياغة بيئة إقليمية أقل قابلية للاشتعال، وأكثر استعدادًا لاستيعاب التفاهمات بدل الانزلاق إلى الصدامات المفتوحة.
ومن هذا المنظور، لا يُنظر إلى الوساطة، سواء كانت باكستانية أو غيرها، كتحرك معزول، بل كجزء من شبكة أوسع من الجهود التي تجد في الموقف الخليجي، والسعودي تحديدًا، سندًا سياسيًا مهمًا يمنحها هامشًا أوسع للحركة، فالموقف الخليجي الأوسع يرى في استمرار المواجهات تهديدًا مباشرًا لاستقرار المنطقة وممراتها الحيوية، ويعتبر أن إدارة الأزمات لم تعد كافية في ظل هشاشة الوضع الإقليمي وتشابك خطوطه الساخنة، ما يجعل الحاجة إلى تسويات سياسية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
الوسيط الباكستاني يدخل على الخط محاولًا أن يضيف خيطًا جديدًا في نسيج معقد، ليست هذه المرة الأولى التي تُسند فيها أدوار الوساطة إلى أطراف تسعى لإثبات حضورها أو لتسجيل نقاط في سجلها الدبلوماسي، الوساطة هنا ليست مجرد نقل رسائل بل محاولة لابتكار مساحات مشتركة أو على الأقل تقليل مساحات الاشتباك.
لكن الوسيط أيًّا كان اسمه يصطدم بواقع معروف، حين تكون الفجوة عميقة لا تكفي النوايا الحسنة لردمها، يحتاج الأمر إلى إرادة سياسية حقيقية وإلى استعداد لتحمّل تكلفة التسوية، وهذه التكلفة في الحالة الأمريكية - الإيرانية ليست بسيطة، فهي تمتد من الحسابات الإقليمية إلى التوازنات الداخلية ومن ذاكرة الصراع إلى رهانات المستقبل.
الأيام التي مُنحت للهدنة ليست مجرد وقت تقني بل اختبار جديد لقدرة الطرفين على إدارة التوتر دون الانزلاق إلى المواجهة، اختبار للأعصاب بقدر ما هو اختبار للنوايا، فهل تُستخدم هذه الأيام لتقريب المسافات أم لتثبيت المواقع، هل هي فرصة لالتقاط الخيط أم مجرد إستراحة قبل جولة أكثر قسوة.
في مثل هذه اللحظات يصبح الزمن عنصرًا فاعلًا، كل ساعة تمر قد تحمل معها احتمالًا جديدًا أو مفاجأة غير محسوبة، المنطقة التي اعتادت على العيش فوق فوهة بركان تعرف أن الشرارة قد تأتي من حيث لا يُتوقع، حادث صغير أو تقدير خاطئ أو رسالة تُفهم على نحو مختلف قد تكفي لتغيير المشهد.
ومع ذلك يواصل الجميع التمسك بخيط التهدئة ولو كان رفيعًا، لأن البديل واضح ومكلف وربما مفتوح على احتمالات لا يرغب أحد في اختبارها، الحرب ليست خيارًا سهلًا حتى لمن يلوّح بها، هي مقامرة كبيرة قد تبدأ بحسابات دقيقة وتنتهي بفوضى لا يمكن احتواؤها.
يبقى السؤال إلى متى يمكن تمديد الهدنة، وكم مرة يمكن شراء الوقت قبل أن ينفد، التجارب تقول إن الأزمات الكبرى لا تُحل بالترقيع الدائم لكنها أيضًا لا تنفجر دائمًا في توقيت متوقع، بين الحل والانفجار هناك دائمًا مساحة للغموض وللمفاجآت.
في هذه المساحة تتحرك واشنطن وطهران ومعهما الوسطاء واللاعبون الإقليميون والمراقبون من بعيد، كلٌّ يقرأ المشهد بطريقته ويراهن على سيناريو يعتقد أنه الأقرب، لكن الحقيقة كما تبدو الآن أن الأمور لا تزال معلقة بين لحظة وأخرى وأن المنطقة مرة أخرى تعيش على إيقاع الانتظار خاصة بعد رفض الرئيس ترمب طلبات إيران بالكامل.