د. عبدالمحسن الرحيمي
في كل مرحلة انتقال حضاري تمر بها الأمم، تظهر دائمًا فئة تنظر إلى الانفتاح بوصفه تهديدًا للهوية، وفئة أخرى ترى أن التقدم لا يتحقق إلا عبر الذوبان الكامل في النموذج العالمي السائد، غير أن التحولات الكبرى لا تُبنى عادةً داخل هذه الثنائية الحادة، بل تتشكل داخل منطقة أكثر عمقًا وتعقيدًا، منطقة تدرك أن الحضارات القوية لا تعيش بالعزلة، كما أنها لا تستمر بالتقليد الأعمى، وإنما تنمو عبر قدرتها على التفاعل مع العالم مع الاحتفاظ بمركزها الثقافي الداخلي، وهذا بالتحديد ما يجعل التجربة السعودية الحديثة جديرة بالتأمل بوصفها محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الهوية والكفاءة الحضارية بعيدًا عن الخطابات التقليدية التي اختزلت الهوية في المظهر، واختزلت الحداثة في التقليد.
لقد عاشت المنطقة العربية لعقود طويلة حالة من الارتباك الثقافي بين خطابين متناقضين؛ خطاب يخاف من كل جديد لأنه يراه مقدمة لفقدان الذات، وخطاب آخر يتعامل مع التقدم وكأنه عملية استبدال كاملة للمنظومة المحلية بمنظومات مستوردة، وبين هذين الاتجاهين ضاعت أحيانًا فكرة أكثر نضجًا تقول إن الهوية ليست جدارًا يمنع التفاعل مع العالم، بل هي البنية العميقة التي تسمح للإنسان بأن ينفتح دون أن يتشظى، وأن يتعلم دون أن يفقد صوته الداخلي، وأن يكتسب أدوات العصر دون أن يتحول إلى نسخة مستنسخة من حضارات أخرى.
ومن هنا يمكن قراءة التحول السعودي الحديث ليس فقط بوصفه مشروعًا اقتصاديًا أو تنمويًا، بل بوصفه إعادة هندسة شاملة لفكرة الإنسان السعودي ذاته؛ الإنسان القادر على الحركة عالميًا، والعمل داخل بيئات متعددة الثقافات، والتفاعل مع الاقتصاد المعرفي الحديث، وفي الوقت نفسه الحفاظ على وعيه بجذره الحضاري والديني والثقافي، وهي معادلة لم تكن سهلة في أي تجربة تاريخية، لأن المجتمعات التي تنفتح بسرعة غالبًا ما تواجه إشكالية فقدان التوازن بين الأصالة والمعاصرة، إلا أن ما يميز التجربة السعودية أنها حاولت منذ البداية أن تجعل الانفتاح مشروعًا واعيًا ومنظمًا ومقننًا، لا مجرد اندفاع عشوائي نحو العالم.
ولهذا فإن أحد أكثر المفاهيم التي أسيء فهمها خلال السنوات الأخيرة هو مفهوم «الانفتاح» نفسه، إذ تصور البعض أن الانفتاح يعني التخلي عن الخصوصية الثقافية، بينما الواقع أن الانفتاح في التجارب الحضارية الكبرى كان دائمًا أداة لتعزيز القوة الداخلية لا لإلغائها، فاليابان مثلًا لم تصبح قوة عالمية عبر فقدان هويتها، وكوريا الجنوبية لم تدخل الاقتصاد العالمي عبر التخلي عن ثقافتها، وكذلك الحضارات الإسلامية في أوجها لم تكن حضارات منغلقة، بل كانت تستوعب علوم الأمم المختلفة ثم تعيد إنتاجها داخل منظومتها الحضارية الخاصة، ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ننفتح أم لا؟ بل: كيف ننفتح دون أن نفقد مركزنا الثقافي؟
وهنا تظهر أهمية ما يمكن تسميته بـ «الكفاءة الحضارية»، وهي مفهوم يتجاوز مجرد تعلم اللغات أو السفر أو اكتساب المهارات المهنية، ليشير إلى قدرة الإنسان على فهم السياقات المختلفة، والتحرك بوعي داخل البيئات المتنوعة، وإدارة الحوار مع العالم دون شعور بالنقص أو التعالي، فالكفاءة الحضارية ليست ترفًا ثقافيًا، بل أصبحت ضرورة إستراتيجية في عصر تتحرك فيه المعرفة والاقتصاد والتأثير عبر شبكات عالمية معقدة، ولم يعد ممكنًا لأي مجتمع أن ينعزل ثم يتوقع أن يحافظ على موقعه الحضاري أو التنافسي.
ومن أذكى الأدوات التي استخدمتها السعودية لبناء هذه الكفاءة الحضارية مشروع الابتعاث، الذي لم يكن في جوهره مجرد إرسال طلاب للدراسة في الخارج كما يختزل البعض، بل كان مشروعًا طويل المدى لإعادة تشكيل العقل السعودي بحيث يصبح قادرًا على فهم العالم من الداخل لا من خلف الشاشات أو الصور النمطية، فالاحتكاك المباشر بالحضارات المختلفة يخلق نوعًا من النضج لا يمكن أن تصنعه الكتب وحدها، لأنه يعيد بناء طريقة إدراك الإنسان للزمن والعمل والنظام والتفكير والتواصل والاختلاف، ويجعله أكثر قدرة على قراءة الثقافات المتعددة دون خوف أو انبهار مفرط.
ولعل من الأخطاء الشائعة أن البعض يختزل أثر الابتعاث في مسألة اللغة فقط، بينما التأثير الحقيقي أعمق بكثير، لأن الطالب الذي يعيش داخل بيئة عالمية يتعلم بشكل غير مباشر كيف تعمل المؤسسات، وكيف يُدار الوقت، وكيف تُبنى الفرق، وكيف يُناقش المختلفون أفكارهم، وكيف يتحول النظام إلى ثقافة يومية لا مجرد قوانين مكتوبة، وهذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع لاحقًا فارقًا كبيرًا في بناء القيادات والمشروعات والتحولات الوطنية.
ولهذا فإن استخدام بعض المصطلحات الإنجليزية داخل البيئات المهنية أو الأكاديمية لا يمكن دائمًا قراءته بوصفه ضعفًا في اللغة العربية أو استعراضًا ثقافيًا كما يعتقد البعض، بل هو أحيانًا انعكاس طبيعي لتشكل الوعي داخل بيئة معرفية عالمية أصبحت بعض مفاهيمها مرتبطة ذهنيًا بلغتها الأصلية، فالمهندس الذي يعمل يوميًا مع أنظمة تقنية عالمية، والطبيب الذي يقرأ أحدث الأبحاث الطبية، ورائد الأعمال الذي يتحرك داخل اقتصاد دولي، غالبًا ما تتشكل لديه شبكة مفاهيم مزدوجة اللغة، وهذا لا يعني بالضرورة أنه فقد هويته، بل قد يعني ببساطة أنه أصبح أكثر قدرة على التحرك بين العوالم المختلفة.
إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في تعدد اللغات، بل في فقدان الإنسان لقدرته على التفكير العميق بلغته الأم، لأن اللغة ليست مجرد مفردات، بل هي طريقة في رؤية العالم وصياغة المعنى، ولهذا فإن الحفاظ على العربية لا يتحقق عبر محاربة الكلمات الأجنبية داخل الحوار اليومي، وإنما عبر إعادة ربط العربية بالإنتاج المعرفي والبحث العلمي والابتكار والفكر والقيادة، فاللغة تضعف عندما تتحول إلى مجرد وعاء عاطفي للماضي، بينما تستعيد قوتها عندما تصبح أداة لصناعة المستقبل.
ومن اللافت أن كثيرًا من النقاشات الحالية حول اللغة تكشف أحيانًا خوفًا أعمق من مجرد الكلمات، وهو الخوف من التحول الحضاري ذاته، لأن التحولات الكبرى تعيد دائمًا تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبالعالم، وتجعله يواجه أسئلة جديدة حول معنى الهوية والانتماء والنجاح والحداثة، غير أن المجتمعات الواثقة من نفسها لا تتعامل مع هذه التحولات بعقلية الدفاع المستمر، بل بعقلية البناء والتطوير وإعادة التمركز الحضاري.
ولهذا تبدو «المدرسة السعودية» اليوم وكأنها تحاول تقديم نموذج مختلف عن النماذج التقليدية التي عاشتها المنطقة لعقود؛ نموذج لا يريد صناعة إنسان منغلق يخاف من العالم، كما أنه لا يريد إنتاج إنسان منبهر يذوب بالكامل داخل الآخر، بل يسعى لبناء شخصية سعودية تمتلك جذورها الثقافية والدينية بعمق، وفي الوقت نفسه تمتلك القدرة على المنافسة العالمية والتفاعل الحضاري والقيادة الفكرية والاقتصادية.
إن ما يحدث اليوم في السعودية ليس مجرد تحديث للبنية التحتية أو توسع اقتصادي أو انفتاح ترفيهي كما يحاول البعض اختزاله، بل هو تحول أعمق يتعلق بإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان السعودي والعالم، وإعادة بناء مفهوم الثقة الحضارية، بحيث لا يشعر الإنسان أنه مضطر للاختيار بين هويته وبين نجاحه العالمي، لأن الحضارات الناضجة لا ترى تناقضًا بين الأمرين.
ولذلك فإن الجيل السعودي الجديد الذي يتحرك اليوم بثقة بين اللغات والثقافات والتقنيات الحديثة، ويستطيع أن يدرس في الشرق والغرب، ثم يعود ليشارك في بناء وطنه، يمثل في الحقيقة أحد أهم نتائج هذا التحول؛ جيل لا يرى العالم باعتباره تهديدًا دائمًا، بل مساحة للتعلم والتأثير وإعادة التموضع الحضاري، وهذا ما يجعل الحديث عن «الكفاءة الحضارية» اليوم ضرورة فكرية وإستراتيجية، لا مجرد تعبير ثقافي جميل.
فالعالم المعاصر لم يعد يُدار فقط بالقوة الاقتصادية أو العسكرية، بل أيضًا بقدرة المجتمعات على إنتاج إنسان يمتلك مرونة فكرية، ووعيًا ثقافيًا، وقدرة على التفاعل العالمي دون فقدان اتزانه الداخلي، وهنا تحديدًا تتشكل القيمة الحقيقية لأي مشروع حضاري طويل المدى، لأن الأمم لا تُقاس فقط بما تبنيه من مدن، بل أيضًا بما تبنيه من عقول قادرة على فهم العالم دون أن تفقد نفسها داخله.
وبين الهوية والكفاءة الحضارية، لا تبدو السعودية اليوم وكأنها تبحث عن مكان داخل العالم فقط، بل وكأنها تحاول أن تقدم نموذجًا جديدًا يقول إن الانفتاح لا يعني الذوبان، وإن التعدد اللغوي لا يعني ضعف الانتماء، وإن الإنسان يستطيع أن يكون عالميًا دون أن يتخلى عن جذره، وهي معادلة ربما ستكون واحدة من أهم معارك الوعي في القرن الحادي والعشرين.