أحمد عبدالعزيز الغامدي
تظل الأوبئة والجوائح خطوطاً فاصلة في تاريخ البشرية، لا تبدّل ديموغرافية الأرض فحسب، بل تُعيد تشكيل الوعي الإنساني وصياغة المآلات السياسية والاجتماعية للأمم.
وفي سياق البحث عن هذا الرابط المعرفي الذي يجمع غابر الأزمان بحاضرها، جاءت الأمسية الثقافية التي احتضنها مقهى «السقيفة» مؤخراً بتنظيم من «مكتبة الضفة»؛ حيث شَرُفتُ بتقديم قراءة نقدية ومراجعة تحليلية لكتاب يُعد فريداً في بابه، شحيحاً في نظائره، وهو كتاب «الطاعون في العصر الأموي» لمؤلفه الدكتور أحمد العدوي، الذي يندرج ضمن حقل «التاريخ المصغر» (Microhistory)، ذلك الفن البحثي الرصين الذي يستنطق الهوامش والمنسيات ليصنع منها وعياً متكاملاً بالمتن التاريخي.
وتكتسب دراسات التاريخ المصغر قيمة بالغة الأهمية، لا سيما حين تلامس واقع الناس وتتقاطع مع هواجسهم الآنية عند نزول الجوائح وحلول الأوبئة - عصمنا الله وإياكم منها - ولعل خير برهان على هذه الحيوية الكامنة في كتاب الدكتور العدوي، هو ذلك الارتفاع الملحوظ في معدل مبيعاته وإقبال القراء عليه إبان جائحة كورونا؛ إذ وجد فيه المعاصرون مرآةً تعكس آلامهم وآمالهم، وجسراً يربط بين ماضٍ بعيد وحاضر مشهود، مما يؤكد أن التاريخ ليس مجرد سردية للأحداث الميتة، بل هو كائن حي يتنفس في تفاصيل الإنسانية الممتدة.
إن هذا النموذج الفذ الذي أحكم المؤلف نسجه يمثل طليعةً في المكتبة العربية المعاصرة؛ إذ يدرك كل من يطالع الفصل الخاص بمصادر هذه الدراسة مدى التوسع والتأني الفائقين في جمع مادتها العلمية، وتلك الموسوعية الطاغية في المراجع والمصادر التي استند إليها الباحث. فقد تضافرت في هذا العمل مظانّ تاريخية، وأدبية، وطبية، ووثائقية متنوعة ومختلفة، تباينت في مشاربها وتكاملت في مقاصدها، ليخدم بعضها بعضاً في رسم صورة كلية متوازنة وسردية بالغة الدقة لتلك الحقبة، بما انطوت عليه من فورات طاعونية عاصفة. ولعل الدكتور أحمد أراد بهذا الصنيع أن يُسرج الجواد لراكبه، ويمهد الطريق لمن يبني المنارة في هذا المجال البحثي الفسيح، الذي ما زلنا بحاجة ماسة إلى مزيد من أطروحاته على الصعيدين النظري والتطبيقي.
بين عجز القدرة وعِظم النازلة: قراءة موضوعية في الاستجابة الأموية
لقد انقدح في أعقاب الأمسية تساؤل مشروع دار في خلد الحاضرين، وأثار نقاشاً معرفياً رزيناً حول طبيعة الجهود التي بذلتها الدولة الأموية لمكافحة تلك الفورات الطاعونية المتعاقبة. إذ يرى بعض النقاد أن التدابير المتخذة آنذاك بدت متواضعة، ولم تتجاوز في مظهرها العام إجراء إخلاء البلدان الموبوءة والفرار إلى البراري.
بيد أن النظرة الموضوعية الفاحصة سياقياً وتاريخياً تستوجب استدراكاً هاماً؛ فالأمر لم يكن قصوراً في الإرادة السياسية أو تخلياً عن المسؤولية الرعوية، بل كان انعكاساً طبيعياً لمحدودية القدرات الطبية والعلمية التي وسمت ذلك العصر بأسره. إن الدولة الأموية لم تدخر وسعاً تطيقه إلا وبذلته، غير أن ضراوة الجوائح وفوراتها الكاسحة كانت تفوق بكثير الكيان الإداري والهيكلي للدول في تلك الحقبة التاريخية المبكرة.
وفي هذا الإطار، يتجلى الرد المعرفي على البيت الشهير المنسوب لنصر بن سيار الكناني والذي يقول فيه متعجباً:
فَقُلْتُ مِنَ التَّعَجُّبِ لَيْتَ شِعْرِي
أَإِيقَاظٌ أُمَيَّةُ أَمْ نِيَامُ؟
فالجواب الذي تقتضيه العدالة التاريخية والمنهجية العلمية هو أن الدولة الأموية لم تكن نائمة عن رعاياها، بل كانت تواجه خطباً جسيماً تتقاصر دونه الإمكانات البشرية المتاحة وقتئذٍ، فالنازلة كانت أعتى من طوق البشر، والجهد المبذول بلغ غايته الممكنة.
مأسسة الرعاية الصحية: البيمارستان كشاهد تاريخي
ولم تكن الإجراءات الأموية قاصرة على العزل والارتحال عن مواطن الوباء كما قد يتبادر إلى الأذهان تبسيطاً، بل إن التاريخ يحفظ للدولة الأموية سبقاً مؤسسياً رائداً في مضمار الرعاية الاجتماعية والصحية؛ إذ يُسجل للخليفة الوليد بن عبد الملك أنه أول من أنشأ «البيمارستان» في التاريخ الإسلامي، وهو الرديف الاصطلاحي للمستشفى في عصرنا
ولم يكن هذا الصرح مجرد مأوى عابر، بل كان مكاناً منظماً مخصصاً لعلاج المرضى، وعزل المجذومين ورعايتهم، وتوفير الخدمات الطبية والغذائية والمادية لهم على نفقة الدولة. هذا التوجه نحو «مأسسة» العمل الصحي يبرهن على وعي مبكر بضرورة احتواء الأمراض المزمنة والمعدية، ويقف شاهداً عدلاً على النضج الإداري والتنظيمي لتلك الدولة.
شقشقةٌ أخيرة
لقد حظي هذا الطرح بحضور نخبوي كثيف غصت به جنبات النقاش، وكان تفاعلهم الواعي دليلاً على شغف المهتمين بالمعرفة الرصينة والقراءة المستنيرة التي تجافي السطحية. ولئن كانت تلك المراجعة التي ألقيتها على مسامع الحضور في تلك الأمسية قد قُدِّمت كبضاعةٍ مزجاة ومحاولة متواضعة للمقاربة، فإن الرجاء موصولٌ بأن تكون قد صادفت قبولاً واستحساناً، وأن يجد القارئ في كتاب «الطاعون في العصر الأموي» بوابته الخاصة لفهم التاريخ من منظور أكثر عمقاً وإنصافاً، وقريباً من حقيقة المعاناة والجهد الإنساني المشترك في مواجهة نوازل الدهر.