علي محمد أحمد فقيهي
في كثير من المؤسسات، لا تبدأ المشكلات الإدارية من ضعف الأنظمة أو نقص الموارد أو محدودية الإمكانات، بل تبدأ من سلوكيات يومية صغيرة تتكرر داخل بيئة العمل حتى تتحول مع الوقت إلى ثقافة غير معلنة تتحكم في العلاقات، وتؤثر على الإنتاجية، وتعيد تشكيل مفهوم النجاح داخل الإدارة نفسها.
فالمنظمات الناجحة لا تُقاس بعدد الموظفين، ولا بحجم الاجتماعات والتقارير، بل تُقاس بقدرتها على بناء بيئة عادلة تستطيع التمييز بين من يصنع القيمة الحقيقية، ومن يستهلك الوقت والطاقة دون أثر ملموس على النتائج.
لكن ما يحدث في بعض بيئات العمل هو العكس تمامًا. إذ تتحول الإدارات تدريجيًا إلى مساحات مليئة بالاحتقان، والمقارنات الشخصية، والصراعات الجانبية، ويضيع فيها الفرق بين الموظف الذي يعمل بصمت، والموظف الذي يجيد الحديث عن العمل أكثر من العمل نفسه.
ومع الوقت، لا تبقى المشكلة مجرد ضعف أداء فردي، بل تتحول إلى حالة تؤثر على الفريق كاملًا، وتنعكس بشكل مباشر على جودة العمل، والروح المعنوية، واستقرار الكفاءات داخل المؤسسة.
في معظم الإدارات، يوجد عدد محدود من الموظفين الذين يتحملون الجزء الأكبر من العمل الحقيقي. هم من ينجزون المهام، ويتابعون الملفات، ويتدخلون عند التعثر، ويساعدون الزملاء، ويتحملون ضغط العمل عند غياب الحلول أو ضعف التنسيق.
هذا النوع من الموظفين غالبًا لا يكون الأعلى صوتًا داخل الإدارة، ولا الأكثر حضورًا في الجدل اليومي، لأن تركيزه الحقيقي ينصب على الإنجاز وجودة العمل وتحقيق النتائج.
وفي المقابل، يظهر نموذج مختلف تمامًا.
موظف حضوره الأكبر ليس في الإنتاجية، بل في صناعة الجدل، ونقل التوتر داخل الفريق، وتحويل أبسط التفاصيل إلى قضية مستمرة للنقاش والتذمر. تجده حاضرًا دائمًا في الحديث عن التقييم السنوي، والترقيات، والمزايا المالية، وعدم تقدير الإدارة له، بينما يغيب حضوره الحقيقي عندما يتعلق الأمر بالإنجاز أو تحمل المسؤولية. ورغم أن إنتاجيته قد لا تكون بالمستوى المطلوب، إلا أنه يرى نفسه دائمًا الطرف المظلوم، ويعتقد أن نجاح الآخرين جاء بسبب العلاقات أو المجاملة، لا بسبب الجهد والكفاءة.
ومع مرور الوقت، تتحول بيئة العمل إلى مساحة مرهقة نفسيًا، يكثر فيها الحديث، ويقل فيها الإنجاز، وتصبح الطاقة المستنزفة في الجدل أكبر من الطاقة الموجهة نحو التطوير والعمل.
لكن التحدي الإداري لا يتوقف عند هذا الحد فقط. فهناك نوع آخر من الموظفين قد يبدو ناجحًا ومؤثرًا في الظاهر، لكنه يخلق مشكلة أكثر خطورة على المدى البعيد، وهو الموظف «المركزي».
هذا الموظف يحاول أن يجعل كل شيء يدور حوله وحده. لا يمنح الآخرين فرصة حقيقية للتعلم أو المشاركة، ويتعمد أحيانًا احتكار الملفات والمعلومات والعلاقات، حتى يبقى هو العنصر الذي لا يمكن الاستغناء عنه داخل الإدارة. ويعتقد أن بقاء الآخرين أقل خبرة أو أقل حضورًا يحافظ على مكانته وقيمته المهنية.
لكن النتيجة الحقيقية لهذا السلوك ليست القوة، بل خلق بيئة هشة تعتمد على شخص واحد فقط، مما يرهق الفريق، ويعطل بناء الكفاءات، ويجعل استمرارية العمل مرتبطة بوجود فرد لا بمنظومة عمل متكاملة.
وفي المقابل، يبقى الموظف المهني الحقيقي مختلفًا عن الجميع. فهو لا يحتكر المعرفة، بل يشاركها، ولا يبحث عن صناعة الضجيج، بل يركز على صناعة النتائج. كما أنه يساعد زملاءه، ويتعامل بروح الفريق، ويؤمن أن نجاح الإدارة لا يتحقق بشكل فردي، بل من خلال بيئة عمل صحية ومتعاونة.
ولهذا السبب، يكون أثره حاضرًا في الإنجاز، حتى وإن لم يكن الأكثر حديثًا عن نفسه. المشكلة الحقيقية أن بعض الإدارات تقع في خطأ إداري متكرر، عندما تخلط بين الحضور الحقيقي والحضور الصوتي.
فتمنح الاهتمام أحيانًا لمن يجيد التذمر والتسويق لنفسه، بينما يتم استنزاف الموظف المنتج بصمت، حتى يصل تدريجيًا إلى مرحلة يفقد فيها الحماس والانتماء. فالإنسان بطبيعته يستطيع تحمل ضغط العمل، لكنه لا يستطيع الاستمرار طويلًا داخل بيئة يشعر فيها أن العدالة غائبة، وأن الجهد الحقيقي لا يُرى، بينما يحصل الضجيج على المساحة الأكبر من الاهتمام.
ولهذا، فإن كثيرًا من الكفاءات لا تغادر المؤسسات بسبب ضغط المهام فقط، بل بسبب شعورها بأن التقدير لا يُمنح لمن يعمل فعلًا، بل لمن يجيد إثارة الجدل أو صناعة الحضور الشخصي داخل الإدارة. ومن هنا تبدأ المؤسسات بخسارة أهم أصولها: الكفاءات الحقيقية. إن معالجة هذه الإشكالات لا تبدأ بالعقوبات الإدارية فقط، بل ببناء ثقافة تنظيمية واضحة وعادلة.
أولى خطوات الإصلاح هي ربط التقييمات والترقيات والحوافز بالأداء الحقيقي والمؤشرات القابلة للقياس، لا بكثرة الكلام أو الظهور داخل بيئة العمل.
فالمنظمات الناجحة لا تكافئ من يجيد الشكوى، بل من يضيف قيمة حقيقية للعمل. كما أن وجود معايير أداء واضحة يقلل من مساحة الجدل والمقارنات الشخصية، لأن الجميع سيدرك أن المعيار الحقيقي للتقدير هو الإنجاز، لا العلاقات، ولا الحضور الإعلامي داخل الإدارة.
ومن المهم أيضًا أن تدرك المؤسسات أن احتكار المعرفة ليس ميزة إدارية، بل خطر تنظيمي يهدد استدامة العمل. فالبيئات الصحية هي التي تشجع على نقل الخبرة، وتبادل المعرفة، وبناء فرق قادرة على العمل الجماعي، لا بيئات تعتمد على شخص واحد مهما كانت كفاءته.
كذلك، فإن الموظف المجتهد يحتاج إلى التقدير والدعم، ليس فقط بالمكافآت المالية، بل بإشعاره أن جهده مرئي ومحل احترام وتقدير. لأن تجاهل الكفاءات الحقيقية يدفعها تدريجيًا إلى الانسحاب النفسي من العمل، أو البحث عن بيئات أكثر عدالة وتوازنًا.
وفي المقابل، فإن تجاهل الموظف الذي يصنع التوتر والجدل المستمر داخل الإدارة لا يضر بشخص واحد فقط، بل ينعكس على الفريق كاملًا، ويؤثر على جودة العمل، واستقرار بيئة العمل، وثقة الموظفين بالإدارة نفسها.
في النهاية، لا تنهار بيئات العمل دائمًا بسبب قلة الإمكانات أو ضعف الموارد، بل قد تنهار بسبب غياب العدالة، وخلط الأدوار، وعدم القدرة على التمييز بين الموظف الذي يصنع القيمة، والموظف الذي يصنع الضجيج.
فالنجاح الإداري الحقيقي لا يتحقق بكثرة الاجتماعات، ولا بكثرة المطالب، ولا بمن يحتكر كل شيء لنفسه، بل عندما تصبح الكفاءة، وروح الفريق، والإنجاز الحقيقي.. هي المعيار الذي يُقاس به الجميع دون استثناء.