د. ناهد باشطح
فاصلة:
«منذ صغري، وأنا أجرب ألف وجه، تمنيت شيئاً واحداً: أن أعرف كما أعرف اسمي، في أي لحظة، أين اقف»..
-الشاعرة ادريان ريتش-
* * *
كثيراَ ما يسألني أقربائي وأصدقائي لماذا أحببت العيش في مانشستر؟
وإجابتي دائماً مانشستر هي المدينة التي لا تسأل أحدًا من أنت.
في حين تسأل كثير من المدن عن اسمك، عائلتك، مكانتك... تستطيع أن تعيش في مانشستر، وأن تكون مجرد إنسان يمشي بهدوء دون أحكام. في الغربة يمكن أن تعي وتدرك قيودك التي طالما اعتدتها في حياتك، وأكثرها قسوة الأدوار الاجتماعية التي سجنت فيها نفسك دون وعي.
لكن كيف تتصالح المرأة مع نفسها حين تبتعد عن الأدوار الاجتماعية المثالية!!
للكاتبة الإنجليزية «فرجيينيا وولف» مقالة طويلة بعنوان: «غرفة تخص المرء وحده» نشرت عام 1929م واعتبرها النقاد من أهم أعمدة الأدب النسوي حيث ناقشت فيها وضع المرأة في المجتمع والأدب حيث اشترطت الاستقلال المادي والحرية العقلية لتوليد وانتشار إبداع المرأة.
الحرية العقلية ليست غرفة خاصة بالمرأة ولكن انعتاق من الإطار الذي يرسمه لها المجتمع لتبقى ضمن حدوده، فتشعر أنها تعيش نسخة جاهزة قبل أن تكتشف نسختها الحقيقية، لذلك في مرحلة عمرية متقدمة تسأل المرأة نفسها هل تعيش الحياة التي اختارت؟
هل تعيش ما تحب أو لابد أن تحب ما تعيش؟
في الغربة يكتشف الإنسان مفاتيح الاتصال بذاته.
وفي مانشستر وجدت معنى أن تكون الوحدة باباً لعوالم مختلفة... تعلمت أن أكون إنسانة قبل أن أكون أي شيء آخر.
ابتعدت عن الصورة لأستطيع رؤيتها بوضوح وأدرك أن الأدوار الاجتماعية التي تفعلها النساء هي تلك الهويات التي تعيش المرأة داخلها طوال عمرها حتى تنسى أحيانًا من تكون هي فعلًا.
قد تخنق الأدوار المرأة وتحيد بها عن مسار الإنسانية.... أدوار عدة تصب في قالب المثالية (الإبنة المطيعة، الزوجة المتفهمة، الأم المضحية، المرأة القوية دائمًا، المرأة الناجحة، المرأة التي يجب أن ترضي الجميع، المرأة التي لا تخطئ، المرأة التي يجب أن تبدو بصورة معينة)، لأن المرأة في مجتمعاتنا غالبًا تُقيَّم من خلال هذه الأدوار، لا من خلال حقيقتها الداخلية، فتصبح مع الوقت منشغلة بسؤال ملح، كيف يجب أن أكون؟ بدلاً من السؤال المنطقي من أنا فعلًا؟
وحين تبتعد المرأة عن بيئتها المعتادة ولو بشكل مؤقت، كالسفر والغربة، تخف الضوضاء الخارجية، لا أحد يعرفها جيداً، لا أحد يطالبها بالدور المعتاد، لا أحد يراقب تفاصيلها، لا أحد ينتظر منها النسخة القديمة.
فتبدأ تلاحظ أشياء لم تكن تسمعها من قبل:
ماذا أحب أنا؟
كيف أريد أن أعيش يومي؟
هل أنا فعلًا أحب هذا الأسلوب في الحياة؟
هل كنت أعيش لإرضاء نفسي أم لإرضاء الصورة الاجتماعية؟
التصالح مع الذات هنا لا يعني «التمرد»، بل يعني:
أن تتوقف المرأة عن الشعور بالتقصير وتأنيب الذات، أن تسمح لنفسها أن تكون إنسانة لا دورًا فقط، أن ترتاح من فكرة الأداء المستمر بإنهاك دون استمتاع. أن تكتشف أن قيمتها لا ترتبط فقط بالعطاء أو التضحية أو النجاح.
في مانشستر أنا امرأة تشرب قهوتها وحدها بلا استعجال، تمشي دون أن تخاف من نظرات الناس، تجلس في القطار صامتة دون أن تشرح نفسها لأحد.
تكتشف أنها تحب الهدوء أكثر مما كانت تظن، أو أنها متعبة منذ سنوات ولم تنتبه.
الابتعاد المؤقت عن المجتمع يجعل الإنسان يرى نفسه بوضوح أكبر، فالوحدة ليس أن تكون وحيداً، بل أن تتصل بذاتك لحياة أجمل.
عندما يكون الجلوس وحدك في القطار أو المقهى، مساحة شفاء، وممارسة للسلام الداخلي بعيداً عن ضوضاء أفكارك وتوقعات الناس، يصبح لأدوارك المجتمعية التي تقوم بها معنى أعمق.