ناهد الأغا
كل موسيقى تحمل في نواتها ذاكرة، إنها الصوت الذي يصل قبل الكلمة، ويمكث بعد صمتها، تتجاوز حدود الجغرافيا والمكان، وتحمل قدرة عجيبة على تفكيك «الأنا» و«الآخر» وإذابة المسافات بينهما في لحظة استماع خالصة، من هذا الأفق، تُقرأ الحفلات الموسيقية العابرة للثقافات كلقاء بين إيقاعين، بين ذاكرتين، وحين يكون المكان الذي يحتضن هذا اللقاء مثقلاً بالتاريخ، وتكون الفرق الموسيقية قادمة من تربتين ثقافيتين عريقتين، يتحول الحفل إلى حوار صامت بين الحجر والنغم، ما حدث في ساحة فينوس، تحت سماء روما، هو في جوهره العميق لقاء بين ذاكرتين، وتحية متبادلة بين ماضيين، تبادل ثقافي تكمن أهميته في الاعتراف المتبادل، وتمرين الذاكرة على الاتساع، فعلى خشبة المسرح، لم يكن ثمة طرفان منفصلان، بل كيان فني واحد يتشكّل أمام الحضور: اثنان وثلاثون موسيقياً من «الأوركسترا والكورال الوطني السعودي»، وثلاثون عازفاً من «أوركسترا فونتانا دي روما»، في ليلة حب وجمال، الحب بين الثقافات، والجمال بوصفه القيمة المشتركة الوحيدة التي لا تختلف عليها الحضارات، وحين غنّى أندريا بوتشيلي إلى جانب الكورال السعودي، وحين قاد المايسترو روتا الأوركسترين معاً، وحين أدّى الفنانون السعوديون عرضتهم وخطوتهم الينبعاوية تحت أقواس الكولوسيوم، كان الجميع يشاركون في بناء لحظة جمالية خالصة، كما ويأتي حفل روما تتويجاً لمسار طويل من الجهد الثقافي المنظّم، وامتداداً لرؤية أبعد من اللحظة الآنية، يمكن تفكيك الأهمية الثقافية لهذا الحدث، في ضوء الأهداف التي تحملها مبادرة «روائع الأوركسترا السعودية»، على عدة محاور متضافرة: تعزيز الحضور العالمي، وتمكين الفنانين، والاحتفاء بالهوية السعودية كثراء قابل للسفر والتحوّل دون أن يفقد نواته الأصيلة، بالإضافة إلى دعم منظومة مستدامة تخلق الشراكات والخبرات المتراكمة..
إن حضور اسم المملكة عبر وزير ثقافتها الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان في سياق إبداعي خالص على أرض إيطالية، يُنتج صورة ذهنية مغايرة عنوانها أن السعودية حاضرة في العالم بما تصنع من جمال، وتتجلى أهمية هذه الرعاية أيضاً في كونها تمنح الحدث استدامته، فالحفل الختامي في روما هو محطة في رحلة أطول، تترجمها هيئة الموسيقى عبر إستراتيجيتها الهادفة إلى «ترسيخ شراكات إبداعية مستدامة» وفق تعبير الرئيس التنفيذي باول باسيفيكو.
الرعاية الوزارية تؤمّن لهذه الشراكات غطاءها المؤسسي، وتحوّلها من لقاءات عابرة إلى جسور ثابتة بين الضفتين، الموسيقى السعودية ليست وليدة اليوم، بل هي ضاربة في العمق التاريخي: ألحان الحجاز، وإيقاعات نجد، وأغاني البحر في جدة والقطيف، وترانيم البادية في الشمال والجنوب، كانت محلية لعقود طويلة، فقامت هيئة الموسيقى بعملية تنقيب أثري في العمق الثقافي، وما جرى في روما هو تتويج لهذه العملية: اللحظة التي تنتقل فيها الموسيقى السعودية من كونها محلية مثيرة للاهتمام إلى أن تعزف في أعرق المسارح الأوروبية، ولعل الأهم من ذلك أن هذا التقديم لم يأتِ على حساب الهوية؛ فالألحان بقيت وطنية، والإيقاعات بقيت محلية، والعرضة بقيت عرضة، لكن طريقة التقديم والدمج مع الأوركسترا الإيطالية والوجود في ساحة فينوس، كل هذا جعل المحلي يخاطب العالمي بلغة يفهمها دون أن يتخلّى عن لهجته الأصيلة. حضور المايسترو العالمي أندريا بوتشيلي في هذا الحفل يتجاوز فكرة النجم المستضاف، وحين صرّح بأن الغناء بجانب الكولوسيوم كان دوماً تجربة استثنائية، لكن المشاركة مع الأوركسترا السعودية أضفت عليها طابعاً أكثر تميزاً، فإنه اعتراف من مركز الثقل الموسيقي الغربي بأن الصوت القادم من الجزيرة العربية هو ندٌّ قادر على أن يُضيف إلى التجربة الجمالية لأحد أعظم مغني الأوبرا في العالم ما يجعلها أكثر تميزاً، إن حفل «روائع الأوركسترا السعودية في ساحة فينوس كان ولا يزال وسيبقى فعلاً ثقافياً تأسيسياً، يُعلن بهدوء أن السعودية اختارت أن تُعرّف نفسها للعالم عبر أرقى ما تملك صوتها، وفي البدء كان الصمت، وفي النهاية عاد الصمت، لكن بين الصمتين حدث كل شيء: حدث أن الجزيرة العربية غنّت لروما، وغنّت روما للجزيرة العربية.