أمل حمدان الشريف
حين نتحدث اليوم عن الحراك الثقافي في المملكة، فإننا لا نتحدث عن نشاط عابر، أو موجة مؤقتة، بل عن مشروع وطني كبير أعاد تشكيل الوعي الثقافي، وفتح أبوابًا واسعة أمام الإنسان السعودي ليكون شريكًا حقيقيًا في صناعة المعرفة والإبداع. ما يحدث في المملكة اليوم يؤكد أن رؤية السعودية 2030 لم تكن مجرد خطط مكتوبة أو أهداف مؤجلة، بل مشروع عمل بدأ يؤتي ثماره مبكرًا، حتى إن كثيرًا من منجزاته سبقت الزمن المحدد لها. ومن يتابع المشهد الثقافي عن قرب يدرك حجم التحول الذي تعيشه المملكة في هذا الجانب تحديدًا.
ومن خلال تجربتي المهنية والميدانية، ومشاركتي في العمل الثقافي والصحفي، ورئاستي للجنة ثقافية، إلى جانب الإسهام في تأسيس كيان ثقافي بالشراكة مع زملاء الميدان، رأيت كيف تحولت الثقافة من نشاط محدود إلى قوة تأثير حقيقية، لها حضورها في المجتمع، ودورها في بناء الوعي، وصناعة الصورة الحضارية للوطن.
لقد أصبحت الأمسيات والمنتديات والمعارض والبرامج الثقافية جزءًا من المشهد اليومي، وأصبح للمبدع السعودي مساحة أكبر للحضور والتعبير، في ظل دعم غير مسبوق للقطاع الثقافي، وإيمان واضح بأهمية الثقافة بوصفها عنصرًا رئيسيًا في التنمية.
ولعل اللافت اليوم أن المشهد الثقافي لم يعد نشاطًا نخبويًا محدود الحضور، بل أصبح نمط حياة مألوفًا ومتعايشًا مع يوميات الكثير من أفراد المجتمع، حاضرًا في اهتماماتهم، وفي جداولهم اليومية، وفي تفاصيل حياتهم الاجتماعية والمعرفية، وهو ما يعكس حجم التحول الحقيقي الذي صنعته الرؤية في الوعي المجتمعي والثقافي.
كما أن العلاقة بين الإعلام والثقافة باتت أكثر نضجًا وتأثيرًا، وأسهمت في إبراز المواهب، ودعم التجارب الجديدة، وتعزيز الشراكات التي تصنع أثرًا حقيقيًا في المجتمع. وهذا ما جعل الحراك الثقافي في المملكة اليوم نموذجًا يُحتذى من حيث التنظيم والتنوع والتمكين.
الثقافة اليوم ليست ترفًا، بل مسؤولية وطنية ورسالة حضارية، والمملكة تمضي بخطى واثقة نحو ترسيخ هذا المفهوم، حتى أصبحت الثقافة إحدى أهم القوى الناعمة التي تعكس صورة الوطن الحديثة أمام العالم.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد نجاح ثقافي، بل تأكيد عملي على أن الرؤية تسير بثبات، وأن الوطن قادر على صناعة التحول قبل موعده، حين تتكامل الرؤية مع الإرادة والعمل.