سعدون مطلق السوارج
ربما لم يعد السؤال الأخطر في الشرق الأوسط اليوم: إلى أين تتجه إيران؟
بل: ماذا يحدث للمنطقة حين تبدأ أدوات النفوذ الإيرانية نفسها بفقدان قدرتها على إنتاج المعادلة التي حكمت الإقليم لعقود؟
فهذه النقطة تحديدًا هي ما يجعل المشهد الحالي مختلفًا عن كل مراحل التوتر السابقة. لأن ما يتغير اليوم لا يتعلق فقط بحجم التصعيد، ولا بمستوى الضغوط، ولا حتى بالمواجهة الدائرة حول الممرات البحرية والطاقة، بل يتعلق بانكسارٍ تدريجي في فعالية النموذج الذي بُني طويلًا على: إنهاك الخصوم، واستنزاف الاستقرار، وإبقاء المنطقة داخل دائرة القلق الدائم، وتحويل الفوضى إلى أداة نفوذ إقليمي.
ولسنوات طويلة، بدا هذا النموذج قادرًا على فرض حضوره على الشرق الأوسط؛ إذ كانت المنطقة تهتز مع كل تصعيد، وتُربك مع كل تهديد للممرات البحرية، وتدخل في دوائر استنزافٍ متكررة كلما ارتفعت حدة التوترات. وكان يُنظر إلى هذا النمط بوصفه إحدى أكثر أدوات الضغط قدرةً على إعادة تشكيل التوازنات وفرض الوقائع السياسية بالقوة غير المباشرة.
لكن المشهد الذي يتشكل اليوم يبدو مختلفًا بصورة أعمق مما يعتقد كثيرون. فالخليج العربي -وفي مقدمته المملكة العربية السعودية- لم يعد يتعامل مع هذه الأدوات بعقلية الاحتواء المؤقت أو بردود الفعل التقليدية، بل بدأ يتحرك من موقعٍ جديد تمامًا: موقع القوة التي تعيد صياغة البيئة الإقليمية نفسها، وتحوّل الاستقرار من حالة دفاعية إلى مشروع نفوذ طويل الأمد.
وهنا تحديدًا، تظهر المعضلة الكبرى التي تواجه إيران في هذه المرحلة. فالأزمة لم تعد في حجم الضغوط الدولية فقط، ولا في التصعيد المرتبط بمضيق هرمز، ولا في التوترات البحرية المتلاحقة، بل في أن البيئة التي منحت أدوات الاستنزاف الإيرانية فعاليتها طوال سنوات بدأت تتغير بصورة متسارعة، حتى باتت كثير من الأساليب التي أُنتجت لإرباك المنطقة تكشف حدودها أكثر مما تفرض هيمنتها.
فالمنطقة التي كانت تُدار طويلًا تحت منطق: الخوف من الانفجار، والقلق من اضطراب الطاقة، والرهبة من اتساع الفوضى، باتت اليوم أكثر قدرة على امتصاص الصدمات، وأكثر إدراكًا أن استمرار هذا النموذج لم يعد قادرًا على إنتاج النتائج القديمة نفسها.
لقد كشفت التطورات الأخيرة، بما فيها التصعيد المرتبط بالملاحة في مضيق هرمز، واستهداف المملكة عبر المسيّرات، والضغوط المرتبطة بأمن الطاقة، أن المنطقة دخلت مرحلة مختلفة؛ مرحلة لم تعد فيها أدوات التوتر قادرة على فرض الهيمنة السياسية كما كان يحدث سابقًا.
بل إن أخطر ما أظهرته هذه التطورات أن الخليج تغيّر بصورة جذرية. فالمملكة العربية السعودية ودول الخليج لم تعد مجرد دول تخشى اضطراب الإقليم، بل تحولت إلى: مراكز ثقل اقتصادي عالمي، ومحاور طاقة لا يمكن تجاوزها، وقوى استثمارية ضخمة، وأطراف تمتلك شبكات تأثير سياسية ودولية متشعبة، وبيئة أكثر تماسكًا واستعدادًا للتعامل مع التهديدات المركبة.
وهذا التحول تحديدًا هو ما جعل كثيرًا من أدوات الضغط القديمة تبدو أقل قدرة على فرض النتائج التي كانت تراهن عليها طهران لعقود.
لقد كان الرهان طويلًا على أن استنزاف الخليج سيؤدي إلى إنهاكه وإبطاء صعوده، غير أن ما حدث كان معاكسًا تمامًا؛ إذ دفعت التحديات المتلاحقة الخليج إلى إعادة بناء مفهوم القوة بصورة أكثر تعقيدًا وعمقًا.
فالقوة الخليجية اليوم لم تعد تُقاس فقط: بالقدرات العسكرية، أو بحجم الموارد، أو بثقل الطاقة وحده، بل بقدرتها على: حماية الاقتصاد والتحكم في التوازنات، وإدارة العلاقات الدولية، وتحويل الاستقرار إلى مركز جذب عالمي.
ومن هنا تحديدًا، برزت المملكة العربية السعودية بوصفها المحور الأوضح لهذا التحول.
فالرياض لا تتحرك اليوم كدولة تحاول احتواء تهديدٍ مؤقت، بل كقوة تدرك أن المنطقة تقف أمام لحظة إعادة تشكيل تاريخية، وأن الصراع الحقيقي لم يعد فقط على الجغرافيا أو النفوذ الأمني، بل على: من يملك القدرة على صياغة البيئة الإقليمية القادمة، ومن يستطيع فرض قواعد المرحلة الجديدة، ومن ينجح في تحويل الاقتصاد والطاقة والاستقرار إلى أدوات تأثير تتجاوز حدود الإقليم نفسه.
ولهذا، لم يكن مستغربًا أن تتجه الأنظار الدولية نحو المملكة مع كل تصعيد تشهده المنطقة، لأن العالم بات يدرك أن استقرار الخليج لم يعد قضية تخص دوله فقط، بل أحد الشروط الأساسية لاستقرار الاقتصاد العالمي بأسره.
فأي اضطراب طويل في الخليج اليوم لم يعد يعني فقط ارتفاع أسعار النفط، بل تهديدًا مباشرًا لـ: التجارة الدولية، وسلاسل الإمداد، وحركة الملاحة العالمية، والأسواق المالية، والنمو الاقتصادي العالمي.
ولهذا، بدأت القوى الكبرى تتعامل مع أمن الخليج بوصفه جزءًا من الأمن الاقتصادي الدولي، لا مجرد ملف إقليمي عابر.
وفي المقابل، تبدو إيران وكأنها تواجه مأزقًا أكثر تعقيدًا من مجرد مواجهة سياسية أو ضغوط اقتصادية؛ إذ إن المشكلة الأعمق تتمثل في أن الأدوات التي اعتمدت طويلًا على إدارة التوتر بدأت تفقد قدرتها على إنتاج المكاسب ذاتها.
فالتلويح بالممرات البحرية لم يعد يحقق التأثير القديم نفسه، لأن العالم أصبح أكثر استعدادًا لحماية خطوط الطاقة والتجارة.
والضغط عبر الفوضى لم يعد قادرًا على إنهاك الخليج كما كان يُعتقد، لأن البيئة الخليجية نفسها أصبحت أكثر تماسكًا وقدرة على امتصاص الاضطرابات.
بل إن محاولات إرباك المنطقة أظهرت نتيجة معاكسة تمامًا؛ إذ دفعت الخليج إلى: تسريع إعادة بناء النفوذ، وتعميق التكامل الاقتصادي، وتوسيع التحالفات الدولية، وتعزيز مكانته بوصفه مركز استقرار عالمي.
وهنا تظهر المفارقة الأخطر في المشهد كله: أن مشروع الاستنزاف الذي بُني طويلًا لإضعاف الخليج.. ساهم بصورة غير مباشرة في تسريع تحوله إلى القوة الأكثر قدرة على إدارة المرحلة الجديدة.
لقد أدرك الخليج مبكرًا أن المنطقة دخلت عصر الصراعات المركبة؛ حيث لم تعد المواجهات تُدار بالجيوش وحدها، بل عبر: الاقتصاد، والطاقة، والتقنية، والممرات البحرية، والضغوط المعلوماتية، ومحاولات إنهاك المجتمعات والدول من الداخل.
غير أن المملكة العربية السعودية تعاملت مع هذا التحول بعقلية مختلفة تمامًا؛ عقلية لا ترى في الاستقرار مجرد هدف دفاعي، بل تراه أداة استراتيجية لإعادة صياغة النفوذ الإقليمي والدولي.
وهنا تحديدًا، تبرز رؤية السعودية 2030 بوصفها أكثر من مجرد مشروع اقتصادي؛ فهي في جوهرها مشروع لإعادة تعريف مكانة المملكة والخليج داخل النظام العالمي الجديد.
فالقوة اليوم لم تعد تُقاس فقط بقدرة الدول على إنتاج الأزمات، بل بقدرتها على: جذب الاقتصاد العالمي، والتحكم في شبكات الطاقة، وصناعة الاستقرار، وإدارة التحولات الكبرى بثقة وثبات.
ولهذا، فإن الشرق الأوسط الذي يتشكل اليوم يبدو مختلفًا تمامًا عن ذلك الذي عرفته المنطقة لعقود.
شرق أوسط لم تعد تفرض إيقاعه فقط القوى القادرة على توسيع الفوضى، بل القوى القادرة على: منع الانهيار، وفرض التوازن، وحماية الاقتصاد العالمي، وتحويل التنمية إلى مصدر نفوذ طويل الأمد.
وفي هذا المشهد الجديد، يبدو الخليج -وفي مقدمته المملكة العربية السعودية- أقرب إلى قيادة مرحلة تاريخية مختلفة، تتراجع فيها فعالية أدوات الاستنزاف القديمة، فيما يتقدم نموذج جديد يقوم على: الاستقرار، والاقتصاد، والتكامل، والنفوذ الهادئ، والقدرة على إعادة تشكيل البيئة الإقليمية نفسها.
ولعل التحول الأعمق في كل ما يجري اليوم أن المنطقة لم تعد تتحرك وفق القواعد التي حكمتها لعقود؛ فالمعادلات التي بُنيت على إنهاك الدول عبر الفوضى بدأت تتآكل تدريجيًا أمام صعود بيئة خليجية أكثر تماسكا وثقةً ونفوذًا. وهو ما يجعل كثيرًا من أدوات التصعيد تبدو وكأنها تصطدم بجدارٍ إقليمي جديد، لا يقوم فقط على الردع الأمني، بل على قوة الاقتصاد، وتماسك الدولة، واتساع النفوذ الدولي، والقدرة على تحويل الاستقرار ذاته إلى مصدر تفوق استراتيجي طويل المدى.
وفي المحصلة، فإن ما تواجهه إيران اليوم لا يبدو مجرد أزمة عابرة أو جولة توتر جديدة، بل مأزق مرحلة كاملة بدأت تتغير قواعدها بصورة متسارعة. فحين تفقد أدوات الاستنزاف قدرتها على فرض المعادلة القديمة، وحين يتحول الخليج من منطقة تدافع عن استقرارها إلى قوة تعيد تعريفه وتفرض منطقه على المشهد الإقليمي، فإن الشرق الأوسط لا يكون أمام تصعيدٍ جديد فقط.. بل أمام ولادة توازن تاريخي مختلف، تُكتب ملامحه هذه المرة من الخليج نفسه.
ذلك أن المنطقة التي اعتادت طويلًا أن تُدار تحت ضغط الأزمات المفتوحة، تبدو اليوم أقرب إلى لحظة إعادة صياغة كبرى، تنتقل فيها مراكز التأثير من القوى القادرة على إنتاج الفوضى.. إلى القوى القادرة على صناعة الاستقرار، وحماية الاقتصاد العالمي، وفرض معادلات أكثر رسوخًا واستدامة.
وهنا تحديدًا، لا يبرز الخليج بوصفه طرفًا يحاول النجاة من التحولات، بل كقوة صاعدة تعيد كتابة موازين الشرق الأوسط بثقةٍ متزايدة، فيما تبدو إيران أمام مأزق تاريخي أكثر تعقيدًا من مجرد مواجهة سياسية؛ مأزق يتمثل في أن البيئة التي منحت مشروعها الإقليمي قدرته على التمدد بدأت تتغير، وأن المنطقة نفسها تتحرك تدريجيًا نحو مرحلة تُقاس فيها القوة بقدرة الدول على بناء النفوذ لا استنزافه، وعلى فرض التوازن لا توسيع الفوضى، وعلى صناعة المستقبل لا احتجاز المنطقة داخل أزماتها القديمة.
** **
- باحث في التراث الكويتي والخليجي