د. عبدالرحمن بن حسين فقيهي
لا تزال الجامعات في العالم تمثِّل وعي المجتمعات والحصن الأخير للمعرفة، والمكان الذي يُفترض أن تُوزن فيه الأفكار بميزان العلم، لا بميزان العلاقات. ولهذا كانت الرسائل العلمية -ماجستير ودكتوراه- من أعلى صور الإنتاج الأكاديمي؛ لأنها لا تمنح صاحبها مجرد شهادة، بل تمنحه أهليةً علمية يتصدر بها للتعليم والإشراف والتوجيه.
لكن المتأمل في بعض البيئات الأكاديمية اليوم يلحظ ظاهرة مقلقة بدأت تتسع بصمت: تراجع الصرامة العلمية أمام سطوة المجاملات والمحسوبيات في بعض الجامعات العربية، حتى أصبحت بعض الخطط البحثية والرسائل تمر أحيانًا بعوامل اجتماعية أكثر من مرورها عبر المعايير العلمية الحقيقية.
والمشكلة هنا ليست في وجود باحث ضعيف؛ فالضعف العلمي موجود في كل زمان ومكان، وإنما المشكلة حين يتحول الضعف إلى أمر «مقبول»، أو حين تتواطأ بعض البيئات الأكاديمية -بصمتها أو مجاملاتها- على تمرير أعمال لا تستحق العبور أصلًا.
ففي بعض الأقسام العلمية في بعض الدول العربية قد تُقبل خطة بحثية مرتبكة المنهج، ضعيفة البناء، مكررة الفكرة، فقط لأن صاحبها يحظى بعلاقة جيدة، أو لأن المشرف لا يريد الدخول في جدل، أو لأن القسم أصبح يتعامل مع بعض الإجراءات باعتبارها «شكليات» ينبغي إنجازها بأقل قدر من الحساسية.
وحين يحدث ذلك، فإن الضرر لا يقف عند حدود رسالة واحدة، بل يتسلل إلى قيمة الشهادة نفسها، ويبدأ الناس -في وعيهم الجمعي- بفقدان الثقة في بعض المخرجات الأكاديمية، لأنهم يرون بأعينهم كيف يُقدَّم أحيانًا من لا يستحق، ويُهمَّش من يستحق.
ومن المؤلم أن بعض المناقشات العلمية تحولت -عند بعضهم- إلى جلسات بروتوكولية يغلب عليها الإطراء والمجاملات، أكثر من كونها ميدانًا للتحرير العلمي والنقد المنهجي. فتجد بعض المناقشين يطيل الحديث في العموميات، أو يكرر ملاحظات شكلية، أو يطرح اعتراضات لا تمس جوهر البحث، بينما تغيب الأسئلة العميقة التي تكشف حقيقة تمكن الباحث من موضوعه.
بل إن بعض الطلاب قد يظهر -في أثناء المناقشة- أكثر إحاطةً بمسائل بحثه من بعض من يناقشه، فيصحح، ويستدرك، ويحرر محل النزاع، بينما يبدو الاضطراب على بعض أعضاء اللجنة في فهم القضية نفسها أو تفاصيلها الدقيقة.
وليس المقصود من هذا الطرح الانتقاص من الجهود الأكاديمية العربية الجادة؛ فلا تزال الجامعات تزخر بأساتذة كبار، ومناقشين نزهاء، وباحثين أفذاذ يحملون العلم بأمانة وصدق، لكن الحديث هنا عن ظاهرة بدأت تُرى، وعن ممارسات يُتداول الحديث عنها في المجالس الأكاديمية بكثير من الأسى.
إن المناقش الحقيقي لا تصنعه الألقاب، ولا عدد سنوات الخدمة، وإنما يصنعه تمكنه من أدوات العلم، وقدرته على النقد العادل، وتحليه بالشجاعة العلمية التي تجعله يقول للضعيف: هذا ضعيف، وللقوي: هذا قوي، بعيدًا عن الحسابات الشخصية والاعتبارات الاجتماعية.
كما أن القسم العلمي الحقيقي ليس مجرد جهة إدارية تعتمد العناوين وتحدد المواعيد، بل هو الحارس الأول لجودة المعرفة، والمسؤول عن حماية التخصص من التسيب والتهاون. فإذا ضعف هذا الدور، وتحولت بعض القرارات العلمية إلى مجاملات مغلفة بالأدب الأكاديمي، فإن الخلل يتراكم بصمت حتى يصبح أمرًا مألوفًا.
والأخطر من ذلك أن التساهل في الرسائل العلمية لا يُنتج فقط باحثًا ضعيفًا، بل قد يُنتج مستقبلًا مشرفًا ضعيفًا، ثم مناقشًا ضعيفًا، فتدخل المنظومة كلها في دائرة إعادة إنتاج الهشاشة العلمية جيلًا بعد جيل.
ولهذا فإن بعض الجامعات العربية اليوم بحاجة إلى مراجعة جادة لمعنى «النزاهة الأكاديمية»، لا بوصفها شعارًا يُكتب في أدلة الجودة، بل باعتبارها قيمة حقيقية تُمارس عند قبول الخطط، واختيار المشرفين، وتشكيل لجان المناقشة، وإصدار الأحكام العلمية.
فالجامعة التي تخشى المجاملة أكثر من خوفها على جودة العلم، قد تُكثر من الخريجين، لكنها لن تُكثر من العلماء.