سليمان بن صالح المطرودي
بُني العزيز عزّام..
في يوم الأحد 14 رجب 1444هـ، كتبتُ إليك رسالة بعنوان: (رسالة إلى ابني المبتعث) نُشرت في صحيفتنا الغرّاء (الجزيرة) في عددها (18238) كانت يومها رسالة أبٍ يودّع فلذة كبده إلى رحلة علمٍ وغربة، يحمل في قلبه مزيجًا من الفخر والقلق، ومن الدعاء والرجاء، ويغرس في كلماتها ما استطاع من وصايا الدين والقيم والوطن.
أوصيتك حينها أن تجعل من الابتعاث رسالة لا مجرّد مرحلة، وأن تتمسّك بدينك وهويتك، وأن تكون خير سفير لوطنك، وأن تعود بعلمٍ نافع، وخبرةٍ راشدة، وشخصيةٍ أكثر نضجًا واتزانًا.
وها أنت اليوم تعود إلى أرض الوطن، وقد أتممت مرحلة الماجستير بإنجاز مشرّف، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والحمد لله على أن أراك تعود سالمًا غانمًا، مكلّلًا بالنجاح، مرفوع الرأس، ثابت الخُطا.
يا بُني..
ما أسعد القلب وهو يرى ثمرة الصبر والدعاء تكبر أمام عينيه، لقد كنتَ في غربتك حاضرًا في وجداني في كل يوم، يرافقك الدعاء في الأسحار، وتحتضنك الأمنيات في كل حين، حتى أكرمنا الله بعودتك، لا حاملًا شهادةً علمية فحسب، بل عائدًا بنضج الفكر، واتساع الرؤية، وعمق التجربة، وصفاء الوعي.
وإن فخري بك اليوم لا يقف عند حدود التفوق الأكاديمي، بل يمتد إلى ما هو أبقى وأعظم: إلى أخلاقك، والتزامك، وثباتك على مبادئك، وإلى تلك الصورة المشرّفة التي مثّلت بها دينك ووطنك وأسرتك خير تمثيل.
بُني عزّام..
إن ما حققته اليوم ليس نهاية الطريق، بل بداية مرحلةٍ أكثر عمقًا ومسؤولية، فالأوطان لا تنهض إلا بسواعد أبنائها المخلصين، ولا تزدهر إلا بعقولهم المؤمنة بالعلم والعمل والعطاء.
والوطن - يا بُني - يعلّق آماله على أمثالكم؛ على شبابٍ عادوا من ميادين العلم وهم أكثر وعيًا، وأشد انتماءً، وأعظم إدراكًا لحجم المسؤولية، فاجعل من علمك أثرًا باقيًا، ومن عملك رسالة بناء، ومن نجاحك بابًا لخدمة دينك ثم مليكك ووطنك.
ولا يفوتني في هذا المقام أن نستحضر، بعد فضل الله -عز وجل- ما توليه قيادتنا الرشيدة من رعاية كريمة ودعم سخي لأبنائها المبتعثين، إيمانًا منها بأن الإنسان السعودي هو الثروة الحقيقية لهذا الوطن العظيم، وما هذه النجاحات المتتابعة إلا ثمرة رؤية طموحة، جعلت من الاستثمار في الإنسان ركيزةً للتنمية وصناعة المستقبل.
ومن الوفاء لهذا الوطن أن نردّ الجميل بالعمل المخلص، والبذل الصادق، والإسهام الحقيقي في نهضته ورفعته ومكانته بين الأمم.
بُني عزّام، وأبنائي المبتعثين جميعًا..
أوصيكم أن تواصلوا طريق العلم بشغفٍ لا يخبو، وطموحٍ لا تحدّه حدود، تمسّكوا بقيمكم، وابقوا كما أنتم: متواضعين في نجاحكم، كبارًا في أحلامكم، مؤمنين بأن السماء ليست سقفًا للطموح، بل بداية الطريق إليه.
واجعلوا ما حققتموه اليوم نقطة انطلاقٍ نحو إنجازاتٍ أكبر، وعطاءٍ أوسع، وأثرٍ يبقى في ذاكرة الوطن والأجيال.
بُني عزّام..
بارك الله لك في علمك وعملك، ونفع بك دينك ووطنك، وفتح لك أبواب التوفيق والسداد، وجعلك من أبناء الوطن الذين يُشار إليهم فخرًا، ويُستبشر بهم في ميادين البناء والإنجاز.
أبوك المحب الداعي لك دائمًا.