د. إبراهيم بن جلال فضلون
الحج ليس مجرد سياحةِ أبدانٍ في مجاهل الأرض، بل هو هجرةُ أرواحٍ تخلّت عن دثار الدنيا لتلتحف برداء العبودية الخالصة، أي أنه ليس انتقالاً إلى مكان، بل ارتقاءٌ من ضيق الأرض إلى سعة السماء، ومن ازدحام الدنيا إلى صفاء الروح، فهو المؤتمر الذي تذوب فيه الفوارق، لتتجلى وحدة الأمة في أبهى صورها التاريخية.
هجرةُ أرواحٍ تتألف
منذ أن أذّن الخليل إبراهيم - عليه السلام - في الناس بالحج إلى البيت العتيق، والأفئدة تهوي إلى مكة المكرمة، حاملةً أشواق القرون، ومتطلعةً إلى مغفرةٍ تشبه نقاء الثوب الأبيض الذي يرتديه الحجيج في أعظم مشهد للوحدة الإنسانية في التاريخ الديني؛ حيثُ تتلاشى فيه الفوارق، وتسقط الألقاب، ويقف الناس بلباس واحد ومقصد واحد، كأن البشرية تعود إلى أصلها الأول يوم خُلقت من تراب، فالحج في جوهره الشرعي والتاريخي يمثل «أعلى مراتب التجريد»، حيث يتجرد الإنسان من مخيط الدنيا ومظاهر التفاخر، ليعلن استسلامه التام لله رب العالمين.
والحكمة الأسمى من هذه الفريضة لا تقف عند حدود إسقاط الفرض، بل تمتد لتكون صياغةً عملية لوحدة الأمة الإسلامية، وتعميقاً لأواصر الأخوة الإنسانية والمساواة المطلقة تحت مظلة التوحيد، وهي شعيرة وصفها المؤرخون عبر العصور بأنها «مواسم إعادة تشكيل الوعي الإسلامي»، إذ لم يكن الحج مجرد عبادة فردية، بل مؤسسة حضارية وروحية كبرى تحفظ وحدة الأمة وتؤكد مركزية التوحيد.
الإخلاص والمتابعة
إن المملكة العربية السعودية حرسها الله، لم تألُ جهداً في جعل الحج تجربةً روحانيةً مفعمةً بالأمن والسكينة، مستخدمةً في ذلك أحدث ما جادت به قريحة العلم والتقنية في إدارة الحشود. لتتربع بريادتها في هذا الملف لا بمجرد إحصائيات وأرقام، بل بشهادات دولية على قدرة استثنائية في تنظيم «أكبر تجمع بشري سلمي» في التاريخ، لكن لا يزال هُناك قلةٌ ممن غرر بهم الشيطان، فظنوا أن الحج بمخالفة النظام هو «مغنمٌ» إيماني، مُتناسين أن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً، وهذا النقاء الإيماني يظل مشروطاً بشرطين لا ينفكان عن أي عبادة (الإخلاص والمتابعة)، وفي العصر الحديث، برزت ظواهر سلوكية وتنظيمية تُهدد نقاء هذه الشعيرة، وتحول دون تحقيق مقاصدها.
صدق النية ونقاء الطريق
إن الحج بغير تصريح رسمي، أو الاعتماد على تزوير الوثائق، أو الانخراط في حملات وهمية قائمة على الغش والخداع، ليس مجرد مخالفة نظامية؛ بل هو خلل شرعي موضوعي يقدح في صحة العبادة وأثرها، فقد قال رسولنا - صلى الله عليه وسلم - في صحيح البخاري: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»، وقد حذّر العلماء قديماً وحديثاً من أن العبادة قد تفقد روحها إذا خالطها ما ظهر في الأزمنة الحديثة من الرياء أو الغش أو الاعتداء على الأنظمة الشرعية والتنظيمية كظاهرة التزوير والتحايل للحصول على تصاريح الحج أو مخالفة التعليمات المنظمة، وهي مخالفات لا تتعارض فقط مع الأنظمة المدنية، بل تمس جوهر الطاعة الشرعية؛ لأن الإسلام جعل الالتزام بالنظام الذي يحقق المصلحة العامة جزءاً من مقاصد الشريعة، كما أن الحج المقبول لا يُقاس بكثرة الصور والشعارات، بل بصدق النية ونقاء الطريق.
الحج غير المقبول
لقد قرر العلماء أن تنظيم الحج وتحديد أعداد الحجاج يندرج تحت قاعدة «المصلحة المرسلة» و»تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة». حمايةً للأرواح التي حرم الله قتلها إلا بالحق وليست مجرد قرار إداري، وقد أكد سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- في فتاواه على وجوب التقيد بالأنظمة التي تضعها الدولة للحج، وأن ذلك من باب التعاون على البر والتقوى، وأن من خالف تلك الأنظمة فقد عرض نفسه للإثم وعرض أمن الحجيج للخطر، وحجهُ غير مقبول.
«سقوط الفريضة» و«قبول العمل»
إن العبادة القائمة على معصية بخرق الأنظمة التي وُضعت لحماية الأرواح، أو المبنية على أموالٍ شابتها عقود باطلة، تندرج تحت طائلة «الحج غير المقبول». كيف يستقيم لمُلبٍّ أن يرجو «حجاً مبروراً» وهو يبدأ رحلته بمخالفة ولي الأمر، أو من تهرب وجاء بتأشيرة ما وأراد الحج، فضيق على إخوانه المسلمين، هؤلاء المُتحايلون يتسللون إلى المشاعر متخفين كطائر الحبارى الذي يدفن رأسه في الرمال ظاناً أن عين الأمن لا تراه، وما علموا أن أعين رجالنا صقوراً ترصدهم في كل فج، وكذا الرياء الاجتماعي الذي يبتغي السمعة والتقاط الصور على حساب الخشوع والامتثال؟ إن «الحج المبرور» هو الذي لا تُخالطه معصية، والتزوير والغش هما عين المعصية في أقدس البقاع.
وكثيراً ما يلتبس الأمر على المحتالين على الأنظمة، فيظنون أن مجرد أداء المناسك كافٍ لإبراء الذمة؛ فقد نص العلامة ابن حجر الهيتمي في «الفتاوى الفقهية الكبرى» على أن العبادة التي تخللتها معصية، وإن أسقطت الفرض، إلا أنها تظل ناقصة الأثر، محرومةً من القبول التام، خاصة إذا تعلقت بحقوق العباد أو التعدي على النظام العام. أما الإمام ابن نجيم الحنفي في «البحر الرائق»، فقد وضع النقاط على الحروف حين قال إن النفقة الحرام أو الحج غير النظامي قد يُسقط الفرض، ولكن لا يترتب عليه الثواب الموعود في النصوص؛ لأن «القبول» أمرٌ وراء «الإجزاء»؛ فكم من مصلٍ لم يكتب له من صلاته إلا نصفها أو ربعها، وكم من حاجٍ لم يكتب له من حجه إلا التعب والنصب.
المخالفة عدوانٌ غير آمنْ
إن الحج بـ«تسلل» أو «تحايل» هو اعتداءٌ على حق الحاج النظامي الذي دفع تكاليفه واعتمد تصاريحه. فكيف يرجو التائب الغفران وهو يزاحم إخوانه في أماكن ضاقت عليهم، متسبباً في مخاطر التدافع؟ التي هدمتها القاعدة الشرعية «لا ضرر ولا ضرار»، وقد جاء في «مجموع فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء»: «يجب على المسلمين التقيد بنظام الحج؛ لما فيه من مصلحة عامة، ولما يترتب على مخالفته من مفاسد عظيمة، ولا يجوز لمن لا يحمل تصريحاً أن يتخطى النقاط الأمنية، فذلك من التعدي على حقوق الآخرين ومخالفة ولي الأمر».
حربٌ ضد الفوضى
هي حربٌ مقدسة ضد الفوضى فكانت جهود المملكة، وعلى رأسها قيادتنا الحكيمة، قوية فصاغت منظومة تشريعية وتقنية صارمة لحماية النسك ومنع التلاعب، فسخرت الأقمار الصناعية، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، و»المسار الإلكتروني الذكي» لرصد المتسللين وتأمين المشاعر، وتشديد الرقابة على المداخل، والمطارات، ومنافذ الدخول، هو صمام أمانٍ ضروري.
إن هؤلاء «المتحايلين» لا يضرون أنفسهم فحسب، بل يسيئون لصورة أمتهم أمام العالم، فإذا ما واجهوا حزم رجال أمننا، تبددت أوهامهم وتفرقوا كذعير الحبارير الخائفة، يلاحقهم الخذلان بعد أن أوردوا أنفسهم موارد الإذلال والعار.
لقد قطعت منصة «نسك» والهوية الرقمية الطريق على حملات الوهم والتزوير، وترتبط كل تأشيرة حج بمسار إلكتروني موثق يضمن حقوق الحاج ويحدد موقعه بدقة، وبعدها بطاقة «نسك» الذكية تلك الوثيقة الرسمية الوحيدة المعتمدة للدخول إلى المشاعر المُقدسة، والتي تم تزويدها بتقنيات التحقق المشفرة لمنع أي محاولة للتسلل أو التزوير، وأخيراً، تطبيق عقوبات حازمة وفورية بحق ناقلي الحجاج بلا تصاريح، وبحق الشركات الوهمية، معتبرةً أن العبث بأمن الحج وتنظيمه خط أحمر لا يمكن التهاون فيه.
وهُنا يُبرز الدور البارز لرجال الأمن في الحرم والمشاعر المقدسة بوصفهم خط الدفاع الأول عن أمن الحج وسلامته، وهُم يؤدون عملاً إنسانياً عظيماً يجمع بين الحزم والرحمة والتحدث بكل اللغات، فحماية الحشود ومنع الفوضى ليست مجرد مهمة أمنية، بل واجب شرعي يحفظ الأرواح ويصون قدسية المكان.
الحج مدرسة كبرى
إن الحج في جوهره مدرسة أخلاقية كبرى؛ يعلم المسلم الصبر والانضباط والتواضع واحترام النظام، لذا فمخالفة التعليمات أو إيذاء الآخرين أو السعي وراء المظاهر الإعلامية يفرغ العبادة من معناها الروحي العميق. وقد قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -:
«ليس العبرة بكثرة الرحال إلى البيت، ولكن العبرة بمن قُبل حجه وطهرت سريرته».
وقفة
«إن الأمة التي تبتغي النهوض، لا بد لها أن تحترم النظام في أقدس عباداتها؛ فالنظام في الحج شقيق التقوى، والالتزام بضوابطه، فالحج ليس «مغامرة»، بل هو «امتثال» لأمر الله بامتثال أمره في تنظيمه، وهو الترجمة العملية لقوله تعالى: (وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الـزَّادِ التَّقْوَى). فكيف يستشعر هؤلاء المحتالون أي حبورٍ أو بهجةٍ بوقوفهم على عرفات، وهم يعلمون في قرارة أنفسهم أن فرحهم مبنيٌّ على باطل، وأن حجهم مغصوبٌ لا يُورث إلا المأثم والندم؟!.
فليتقِ الله من يريد الحج، وليعلم أن «الحج المبرور» لا يكون إلا بقلبٍ صافٍ من التعدي، ويدٍ عفيفة عن التحايل، وجسدٍ يحترم شريعة الله وقوانين البلد الأمين.
لذلك فإن الحفاظ على شرعية الحج ونقائه في العصر الحديث يتطلب وعياً مجتمعياً شاملاً، وأن «الحج المبرور والسعي المشكور» لا يُنال بالقفز فوق حقوق الآخرين، بل بالانضباط والورع والالتزام.
اللهم احفظ بلادنا وقادتنا، وأدم على الحرمين الشريفين أمنهما، واجعل حج بيتك الحرام حجاً مبروراً، وسعياً مشكوراً، وذنباً مغفوراً، وفق هدي نبيك الأمين.