د.شامان حامد
ليس مجرد شعيرة تُؤدَّى في زمنٍ ومكانٍ مخصوصين، بل هو هجرةٌ وجودية تهفو إليها أفئدة البشر من كل فجٍ عميق، تذوب فيه الفوارق الطبقية والعرقية واللغوية تحت دثار الإحرام الأبيض، ليلتقي المسلمون في مشهد تلاحمي يُجسد الوحدة المطلقة والأخوة الإنسانية في أبهى صورها التاريخية، إنها رحلة ارتقاءٍ وسموٍ روحي، تتلاقح فيها العِبر والأسرار، وتُختزل فيها تجربة العمر التي تسعى النفوس من خلالها إلى نيل المغفرة، والعودة بنقاءٍ يماثل طهر يوم الولادة.
إن الفكر الإسلامي المستنير يرى في الحج منظومةً متكاملة، تمثل الرحلة نقطة تحول حقيقية تجمع بين الإدارة المؤسسية الحديثة والنهج التقني الذكي، والاهتمام الإنساني الفائق الذي يرعى الحاج منذ اعتزامه القدوم وحتى مغادرته سالماً غانماً، فعبر التاريخ الإسلامي، واجه تنظيم الحج وإدارة حشوده تحديات لوجستية وأمنية جمة؛ من أوبئةٍ حصدت الأرواح، وقُطّاع طرقٍ هددوا سلامة السبل، فضلاً عن وعثاء السفر ومحدودية الموارد المائية والغذائية والصحية في المشاعر المقدسة. وظلت الدول الإسلامية المتعاقبة تحاول جاهدة تأمين هذه الرحلة وفق إمكاناتها التقليدية.. ليتبدد كل ذلك في العصر الحديث، ومع القفزات الديموغرافية الهائلة وتضاعف أعداد الحجاج ملايين المرات، باتت الإدارة التقليدية عاجزة عن الاستجابة لمتطلبات الحشود؛ مما استدعى الانتقال إلى عصر «الحوكمة التنظيمية والريادة المؤسسية» التي تبنتها المملكة العربية السعودية لمواجهة المحن والتحديات وسحق دعاوى التدويل المغرضة.
لقد أثبتت المملكة على مدار التاريخ، وبشهادة العالم أجمع ومنظماته الدولية، أنها الرائدة والأولى بلا منازع في إدارة وتنظيم هذا الموسم العظيم. وتحت ظل توجيهات خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين -حفظهما الله-، تحول الحج إلى منظومة متطورة ترتكز على المحاور عدة ألا وهي (الإعداد اللوجستي والتقني المتقدم عبر ترسانة من الأنظمة الذكية، متمثلة في نظام المسار الإلكتروني لحجاج الداخل والخارج عبر بوابات متطورة تيسر الحج من البداية وحتى النهاية.، وكذلك تطوير البنية التحتية والخدمات الصحية التي تشهدها المشاعر المقدسة ومكة المكرمة كل عام من توسعة يرافقها منظومة رعاية طبية وغذائية استباقية تبدأ من سفارات وقنصليات المملكة في الخارج وتستمر ميدانياً لضمان سلامة الضيوف، كما يمثل قطار المشاعر المقدسة الممتد بين منى وعرفة ومزدلفة شاهداً حياً على العبقرية الهندسية، حيث صُنف من بين أفضل 24 مشروعاً على مستوى العالم خلال المئة عام الماضية بنقله لأكثر من مليوني حاج في الموسم الواحد في تكامل تكنولوجيا عصري لإدارة الحشود).
إن هذا التحول الجذري في الخدمات والبنية التحتية، المنسجم تماماً مع رؤية المملكة 2030، قد أحدث نقلة نوعية في جودة حياة الحجاج وتجربتهم الروحية، ليغادر الحجاج الأراضي المقدسة اليوم وهم يحملون في أفئدتهم تجربة فريدة، وقصصاً مفعمة بالشغف يروونها للعالمين تحت عنوان عريض: «الأمن الإنساني في حج بيت الله»، لتظل صور التعامل الإنساني والترحاب والود من الشعب السعودي -الذي يرى في نفسه سفيراً لخدمة ضيوف الرحمن- محفورة في ذاكرة التاريخ.
إن نجاح مواسم الحج المتعاقبة يؤكد أن الخبرات المتراكمة لدى سواعد الوطن الفتية تؤهل المملكة دوماً لتظل النموذج العالمي الأوحد والأكمل في إدارة الحشود البشرية، ليبقى بيت الله الحرام واحة أمنٍ وأمان، ومنارة هدى تشع بالسلام والروحانية إلى قيام الساعة.