عبدالعزيز صالح الصالح
لقد شرَّف الله المملكة العربيَّة السُّعوديَّة، فجعل فيها بيته الحرام، ومسجد نبيِّه - عليه الصَّلاة والسَّلام - فقد وضعها في مكانة مرموقة، بين دول العالم منذ بزغ فجر الإسلام، فتحملت مسؤوليَّة الدِّفاع عن هذا الدِّين العظيم فكراً عقائدياً، ونظاماً حياتياً، وتنظيماً اقتصادياً واتخذت من تعاليم هذا الدِّين العظيم نهجاً في الحكم وأساساً في التشريع، مع تجارب متفتحة على منجزات هذا العصر، مضطلعة بأعبائها العربيَّة والإسلاميَّة.
حيث إن البلاد تشد أنظار العالم بتجاربها التّاريخيَّة في الوحدة والبناء، وبدورها العربيِّ والإسلاميِّ، وبمكانتها في الاقتصاد العالميِّ، فإنها قبل كل هذا وبعده تحتل مكانة خاصَّة في قلوب المسلمين في كل مكان، فأرضها هي مبعث النور، وصدر الهدى، ومدرج الإسلام ومرباه، كأن أحجارها ورمالها وسهولها ومرتفعاتها ووهادها وجبالها ألواح فيها سيرة الرسول وأقواله وأفعاله، وفيها صدَّى كتاب الله الكريم وآيات الوحي والفرقان، وفيها كتبت بسملة التَّاريخ الإسلاميِّ وفاتحته، وعنوان الحضارة العربيَّة، فقد نشئت الجماعة الأولى على هدي كتاب الله الكريم وآدابه الهادفة وقوائمه العميِّقة.
واستأنفت البلاد المسيرة بعد طول خروج على تعاليم الإسلام قبل قيامها، ومن رُوح الإسلام ومبادئه وتعاليمه استمدت الأساس الأوَّل لبناء مجتمعها في الداخل، مع رسم موقفها العربيِّ والإسلاميِّ، ودورها في المجال العالميِّ، ومعتبرة أن حماية الإسلام والدِّفاع عنه هو واجبها، فإن خدمة تلك الأماكن المقدَّسة في ربوعها، بالرِّعاية الدائمة، من كل جانب، فهي من أهم واجباتها وأهدافها وغاياتها فالبلاد تسعى جاهدة بكل ما تملك من مقدرات متنوِّعة، في تجديد مجد الإسلام، بنظرة إلى أبناء الأرض قاطبة نظرة تشمل مبادئ التسامح والترابط والتكاتف دون تمييز.
فالبلاد دائماً تنادي في كل وقت وحين بالتضامن الإسلاميِّ، وذلك بعقد مؤتمر يجتمع فيه المسلمون من كل حدب وصوب، فهو منبر للدِّفاع عن قضايا الإسلام والمسلمين حتى يتمكن عباد الرَّحمن بدور إيجابي في تحقيق خير الأمَّة، مع إرساء قواعد السَّلام والأمن والأمان.
إن جهود المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين -حفظه الله- لإرساء أسس التضامن والوحدة الإسلاميَّة بالطريق الذي رسمته الدعوة لتحقيق الوحدة الإسلاميَّة لتعود كما كانت خير أمة أخرجت للناس. كما استهدفت تلك الجهود الجبَّارة تعميق الانتماء والولاء للأمة الإسلاميَّة الواحدة عقيدة وسلوكاً، وإيجاد رأي عام إسلاميِّ قوي، يسعى عن إيمان وبصيرة على هدي من الكتاب والسنة لترجمة حقيقة التضامن والوحدة، ويربط حركته بهما في كل جوانب الحياة واتجاهاتها، وتحكيم الشريعة الإسلاميَّة بين جميع المسلمين .. وأن يتحقق للأمة الإسلاميَّة ما تسعى إليه من التقدم والقوَّة .. وأن يراها العالم في مكانتها التي يجب أن تكون فيها.
من ركائز الوحدة الإسلاميَّة الأساسية تكوين الإنسان بفطرته التي تستند إلى التضامن والتعاون مع غيره، فلا يكون منعزلاً أو منفرداً بنفسه فإن العقيدة الإسلاميَّة والعبادات التي فرضها الله على المسلمين من صلاة وصوم وحج لهي من أعظم مظاهر التضامن والوحدة الإسلاميَّة، إضافة إلى إمكانات العالم الإسلامي البشرية والاقتصادية والروحية، حتى تجعل من الوحدة الإسلاميَّة مطلباً عملياً للأمة الإسلاميَّة فالبلاد تقوم بمسؤوليتها الدِّينيَّة والتَّاريخيَّة ببذل أقصى الجهود وذلك من أجل راحة وأمن ضيوف الرحمن، أثناء أداء شعائر هذا الركن العظيم. فالبلاد تقوم بخدمات جبَّارة، حتى يكون بيت الله الحرام ملاذاً متسعاً لعدد كبير من ضيوف الرحمن، نسأل الله - جل شأنه - أن يجعل هذه الأعمال الكبيرة خالصة لوجهه الكريم، وأن ينفع به كل معتمر وحاج من ضيوف الرحمن.. إنه سميع مجيب.