عمرو أبوالعطا
في القرن التاسع عشر، كانت الإنسانية تعبر عتبة جديدة من المعرفة، إذ لم تعد الحكايات والرسوم وحدها قادرة على حمل صورة العالم، بعدما ظهر التصوير الفوتوغرافي بوصفه أداة تمنح الواقع هيئة أكثر دقة وخلوداً. وبينما كانت أوروبا تحتفي بهذا الاختراع الوليد وتوظفه في العلم والاستكشاف، ظلت مكة المكرمة والمدينة المنورة حاضرتين في الوجدان الإسلامي عبر الروايات والرسوم التخطيطية التي أنجزها الرحالة والفنانون، وهي أعمال حملت قدراً من الاجتهاد الفني بقدر ما حملت من التأويل والخيال.
عند تلك اللحظة التاريخية ظهر اسم محمد صادق بيه، الضابط والمهندس والمصور المصري، ليصنع تحولاً حقيقياً في تاريخ التوثيق البصري للحجاز، ويقدم أول صور فوتوغرافية أصيلة للحرمين الشريفين بعدسة مسلم أدرك قدسية المكان وقيمة الصورة بوصفها وثيقة لا مجرد مشهد.
ولد محمد صادق بيه في القاهرة عام 1822، في زمن كانت مصر تشهد فيه مشروعاً تحديثياً واسعاً في عهد محمد علي باشا، حيث تأسست المدارس الحديثة وتوسعت البعثات العلمية، وبدأت العلوم التطبيقية تجد لها موطئ قدم في مؤسسات الدولة الجديدة. في هذا المناخ تشكل وعيه المبكر، فالتحق بالمدرسة الحربية بالخانكة التي لم تكن مؤسسة لتخريج العسكريين فحسب، بل مركز لتدريس الهندسة والرياضيات والجغرافيا والفلك. هناك اكتسب صادق بيه تلك الصرامة العلمية التي ستلازمه طوال حياته، وتكون لاحقاً حجر الأساس في أعماله الجغرافية والفوتوغرافية.
جاء التحول الحاسم في مسيرته مع ابتعاثه إلى باريس، المدينة التي كانت آنذاك عاصمة العلم والابتكار. هناك تعرف إلى تقنية التصوير الفوتوغرافي التي كانت لا تزال في بداياتها وتعتمد على ألواح زجاجية رطبة ومواد كيميائية بالغة الحساسية. لم يتعامل معها باعتبارها أداة للترفيه أو فناً منفصلاً عن المعرفة، لكنه أدرك مبكراً إمكاناتها العلمية والعسكرية. أتقن التصوير وحصل على تدريب متخصص فيه، ليصبح من أوائل العرب الذين امتلكوا معرفة عملية بهذه التقنية الحديثة، ثم عاد إلى مصر حاملاً علماً جديداً سيغير طريقة رؤية الحجاز وتوثيقه.
استثمر الجيش المصري مهاراته في رسم الخرائط وتوثيق المواقع الاستراتيجية، وهي مهام انسجمت مع تكوينه الهندسي والجغرافي. ومن خلال تلك الأعمال بدأت تتبلور لديه فكرة استخدام التصوير في خدمة التوثيق المكاني، خصوصاً في المناطق التي تجمع بين الحساسية الجغرافية والرمزية الدينية. لم يكن الحجاز بالنسبة إليه مجرد أرض بعيدة أو مهمة عسكرية، كان فضاءً تتقاطع فيه الجغرافيا بالإيمان، وتحتاج معالمه إلى تسجيل علمي يحفظ تفاصيلها للأجيال.
في عام 1861 جاءت رحلته الأولى إلى الحجاز ضمن مهمة تتعلق باستكشاف الطرق البرية المؤدية إلى الأراضي المقدسة ومسح محطات الحج وتأمين القوافل المصرية. كانت الرحلة شاقة بكل المقاييس، فالانتقال عبر الصحراء يتطلب جهداً هائلاً، أما التصوير نفسه فكان مغامرة مستقلة. حمل صادق بيه كاميرا خشبية كبيرة، وحاملاً ثلاثي القوائم، وصندوقاً مظلماً متنقلاً لتحضير الألواح الزجاجية، إضافة إلى محاليل كيميائية كان فسادها وارداً مع أدنى تغير في الحرارة أو نقص في المياه.
وسط هذه الظروف القاسية استطاع إنجاز ما بدا مستحيلاً في ذلك الزمن، فالتقط أول صورة فوتوغرافية معروفة للمدينة المنورة والمسجد النبوي الشريف. كانت الصورة وثيقة دقيقة تعكس عين مهندس يعرف كيف يختار زاوية الرؤية ويوازن بين الضوء والظل ليظهر التفاصيل المعمارية بأكبر قدر من الوضوح. وقدمت تلك الصورة للعالم مشهداً واقعياً للحرم النبوي بعيداً عن الرسوم التخيلية التي سادت طوال عقود، لتصبح مرجعاً بصرياً مهماً لدراسة تطور المدينة المنورة وعمارتها في القرن التاسع عشر.
انعكست هذه الرحلة في كتابه «نبذة في استكشاف طريق الأرض الحجازية» الصادر عام 1877، وهو عمل يجمع بين الجغرافيا والملاحظة الميدانية والتوثيق التاريخي. تضمن الكتاب خرائط دقيقة وتحديداً للمسافات والمحطات وإشارات إلى القبائل المقيمة في المنطقة وعاداتها. ومن خلاله قدم صادق بيه نموذجاً مبكراً للمعرفة المركبة التي توظف النص والصورة والقياس الجغرافي في آن واحد، ما جعل الكتاب مرجعاً مهماً للباحثين والمسافرين.
غير أن الإنجاز الأكبر في حياته ارتبط برحلته إلى مكة عام 1880، حين كلف بمنصب أمين صرة المحمل المصري، وهو منصب رفيع يختص بالإشراف على قافلة المحمل التي تحمل كسوة الكعبة والهدايا المرسلة إلى الحجاز. أتاحت له هذه المهمة فرصة نادرة للدخول إلى قلب المشهد المكي وتوثيقه بصورة مباشرة، فبدأ مشروعه الأهم؛ تصوير المسجد الحرام والكعبة المشرفة.
كان تصوير مكة في ذلك الزمن تحدياً بالغ التعقيد. فالحرم يعج بالحجاج، والغبار يملأ الفضاء، والشمس الحادة تهدد بإفساد الألواح الزجاجية التي تحتاج إلى إعداد وتحميض سريع. ومع ذلك نجح صادق بيه في تجاوز هذه العقبات بفضل خبرته التقنية وصبره الطويل، واختار لحظات تصوير مناسبة وزوايا دقيقة أظهرت الكعبة والمسجد الحرام في صورة تجمع بين الوضوح والرهبة الروحية.
من أشهر أعماله في هذه الرحلة البانوراما المكية التي التقطها من نقاط مرتفعة مثل جبل أبي قبيس وبرج الطوبخانة، مقدماً رؤية واسعة لمكة ومحيطها العمراني. تكشف هذه الصور شكل المدينة قبل التوسعات الحديثة، وتوضح توزيع المباني المحيطة بالحرم وعلاقة العمران بالتضاريس الجبلية. واليوم تكتسب تلك الأعمال قيمة استثنائية، لأنها تحفظ ملامح مدينة اختفى كثير من معمارها القديم بفعل التحولات العمرانية اللاحقة.
لم ينحصر اهتمامه في تصوير الحجر والمعمار وحدهما، بل امتد إلى الإنسان المرتبط بالمكان المقدس. فقد التقط صوراً لسدنة الكعبة ومن بينهم الشيخ عمر الشيبي، حامل مفتاح الكعبة، وهي صور تحمل قيمة اجتماعية وتاريخية نادرة. في هذه الوجوه تظهر هيبة الخدمة الدينية وملامح مجتمع الحجاز في القرن التاسع عشر، بعيداً عن الصور النمطية التي شاعت في بعض الكتابات الاستشراقية. وهنا تتجلى خصوصية تجربة صادق بيه؛ فهو لم يكن سائحاً يلتقط الغرابة، بل شاهد من الداخل يوثق علاقة البشر بالمقدس.
تجاوزت أهمية هذه الأعمال بعدها الفني لتكتسب بعداً معرفياً وحضارياً. فقبل محمد صادق بيه، كانت معظم الصور والرسوم المتداولة عن مكة والمدينة تأتي عبر عدسات أو تخيلات غربية ارتبط بعضها بمنظور استشراقي يخلط بين الفضول والتأويل الثقافي. أما هو فقد سبق عدداً من المصورين الغربيين في توثيق الحرمين، وقدم صوراً تنطلق من فهم ديني وجغرافي للمكان، ما منح أعماله مصداقية مضاعفة وقيمة تاريخية لا تزال حاضرة حتى اليوم.
إلى جانب التصوير، كان صادق بيه مؤلفاً ترك عدداً من الكتب المهمة عن الحج والحجاز يأتي في مقدمتها «مشعل المحمل.. رسالة في سير الحاج المصري براً من يوم خروجه من مصر إلى يوم عودته» الصادر عام 1881، وهو من أهم الوثائق التي سجلت رحلة الحج المصرية في القرن التاسع عشر. يتابع الكتاب القافلة منذ مغادرتها القاهرة حتى وصولها إلى مكة ثم عودتها، موثقاً الطريق والمحطات والتنظيم الإداري والاحتفالات والمراسم المرتبطة بالمحمل.
تكمن أهمية هذا العمل في أنه لا يصف المناسك وحدها، بل يقدم صورة شاملة عن البنية اللوجستية والاجتماعية للحج آنذاك. ففي صفحاته تتجلى طبيعة العلاقة بين مصر والحجاز، ودور الدولة المصرية في خدمة الحرمين، كما تظهر الحياة الاقتصادية التي كانت تنشط حول طرق الحج، والتفاعلات اليومية بين الحجاج والسكان المحليين. ولهذا يعد الكتاب مرجعاً مهماً لدراسة التاريخ الاجتماعي والسياسي للحج.
في كتابه «كوكب الحج في سفر المحمل بحراً وسيره براً» الصادر عام 1885، وثق تجربته الثالثة مع الحج، مقدماً مقارنة بين الرحلات البرية والبحرية وما تحمله كل منهما من تحديات ومزايا. ثم جمع خبراته المتراكمة في كتاب «دليل الحج للوارد إلى مكة والمدينة من كل فج» الصادر عام 1896، وهو خلاصة مشروعه العلمي والتوثيقي، إذ يجمع بين الوصف الجغرافي والإرشادات العملية والتوثيق البصري، ليصبح دليلاً متكاملاً للحاج والباحث معاً.
تتميز مؤلفاته بدقة هندسية واضحة، فقد استخدم أدوات القياس الحديثة في عصره مثل البوصلة والثيودوليت لرسم خرائط ومسارات شديدة الدقة، وقدم وصفاً للتضاريس والمسافات يفوق كثيراً من كتابات الرحالة المعاصرين له. وفي الوقت نفسه حافظت لغته على حس روحاني لا يخلو من التأمل، فبدت نصوصه مزيجاً بين التقرير العلمي والانفعال الوجداني، وهو مزيج يعكس شخصيته التي جمعت بين العسكري والرحالة والمؤمن.
لم يمر هذا الجهد دون تقدير دولي ومحلي. ففي عام 1881 حصل على ميدالية ذهبية من الدرجة الأولى في معرض فيينا الدولي، كما نال ميدالية وشهادة تقدير في معرض البندقية في العام نفسه، وهي جوائز تؤكد أن أعماله لم تكن ذات أهمية محلية فحسب، بل حظيت باعتراف عالمي في وقت كانت أوروبا تتصدر فيه مشهد التصوير الفوتوغرافي. ثم جاء التكريم المصري عام 1887 عندما منحه الخديوي توفيق ميدالية ذهبية تقديراً لإسهاماته العلمية والتوثيقية.
ولا يزال إرثه محفوظاً في مؤسسات ومتاحف عدة، من بينها متحف اللوفر أبوظبي، والجمعية الجغرافية المصرية، ومجموعات أكاديمية وأثرية تضم أعماله وصوره النادرة. هذه الصور لا تعرض اليوم باعتبارها أعمالاً فنية فقط، وإنما بوصفها سجلاً بصرياً بالغ القيمة لمرحلة مفصلية من تاريخ الحجاز، تكشف ملامح مكة والمدينة قبل التحولات الحديثة، وتحفظ تفاصيل عمرانية وإنسانية كان يمكن أن تضيع إلى الأبد.
توفي محمد صادق بيه عام 1902، تاركاً وراءه مشروعاً سبق زمنه، جمع بين العلم والإيمان، وبين التقنية الحديثة وخدمة التراث الإسلامي. لم يكن مجرد مصور التقط مشاهد للحرمين، بل مؤسس لرؤية جديدة في التوثيق العربي، أدرك فيها أن الكاميرا يمكن أن تكون أداة معرفة وحفظ للذاكرة. وهكذا بقي اسمه مرتبطاً ببدايات العصر الضوئي في الحجاز، وبأول محاولة عربية واعية لجعل الصورة شاهداً على المكان المقدس، وجسراً يصل الماضي بالحاضر والأجيال اللاحقة.