حوار - وائل العتيبي:
ماذا يعني أن تكون مذيعاً في زمن تتراجع فيه الإذاعة أمام المنصات، وفي زمنٍ لم تعد فيه الأصوات تتنافس على الحضور بقدر ما تتنافس على الأثر، بينما تقف الإذاعة اليوم أمام سؤالها الأكثر قسوة: هل ما زالت تصنع وعياً، أم أنها تكتفي بإعادة بث وعيٍ تشكّل خارجها؟في هذا المشهد المزدحم بالمنصات والضجيج والسرعة، يبرز الإعلامي السعودي ماجد الجبرتي بوصفه يمتلك تجربة مختلفة في فهم دور المذيع؛ ليس بوصفه ناقلاً للصوت، بل بوصفه صانعاً للسياق، ومحرّكاً للأسئلة، ووسيطاً بين الإنسان وفكرته. حضورٌ لا يعتمد على الارتفاع الصوتي، بل على عمق الفكرة، وعلى إيمانٍ بأن الحوار ليس تبادلاً للكلام، بل اختبارٌ للمعنى، رغم أن تجربته لا تزيد على ثماني سنوات، معه في هذا الحوار:
* هل ما زالت الإذاعة تصنع الوعي... أم أصبحت صدى لما يحدث خارجها؟
- الإذاعة لم تفقد تأثيرها، لكن وظيفتها تغيّرت. لم تعد المصدر الأول لصناعة الوعي كما كانت في السابق، لكنها ما زالت قادرة على تعميقه وإعادة ترتيبه.
المستمع اليوم يستمع إلى الإذاعة محمّلاً بوعي مسبق شكّلته المنصات الرقمية ومواقع التواصل. دور المذيع لم يعد أن «يُخبره» بما يجب أن يفكر فيه، بل أن يعيد فتح المعنى أمامه بطريقة مختلفة، وأن يطرح الزاوية التي لم يرها. هنا تتحول الإذاعة من منصة تلقين إلى مساحة تأمل.
لهذا أرى أن مسؤولية المذيع اليوم أصبحت أصعب؛ لأنه يتعامل مع جمهور ممتلئ بالمعلومات، يظن أنه يعرف كل شيء، بينما هو في الحقيقة يبحث عمّن يضع له الأسئلة الصحيحة. من هنا أدركت أن المستمع لا يبحث عن صوت جميل فقط، بل عن صوت يشبهه، ويمنحه لحظة صدق وسط الضجيج، ويقوده إلى فهم أعمق لما يعرفه مسبقاً. يأتي هنا دور المذيع في أن يكون محملاً بقدرٍ عالٍ من المعلومات التي تميزه وتكفل له أن يظهر في شخصيةٍ متفردة قادرة على سبر أغوار المعرفة والعلوم باختلافها.
* هل يغيّر المذيع الناس... أم يوقظ فيهم الأسئلة فقط؟
- لا أؤمن أن المذيع يغيّر القناعات بشكل مباشر أو فوري. التغيير عملية تراكمية وشخصية. لكنني أؤمن بقدرته على تحريك سؤال صغير داخل الإنسان، وهذا السؤال هو بداية أي تغيير حقيقي.
لهذا كنت دائماً أحرص على أن أكون قارئاً جيداً قبل أن أكون محاوراً جيداً؛ لأن فهم الضيف وخلفيته وفكرته أهم من مجاراة الحديث فقط. الإعداد الجيد يمنحك القدرة على التقاط اللحظة التي تستحق سؤالاً مختلفاً. المذيع في النهاية ليس طرفاً في الحوار ليفرض رأيه، بل جسر بين فكرة الضيف ووعي المستمع.
* هل تقود المصادفة الإنسان إلى مكانه... أم تكشف له من هو أصلاً؟
- دخلت الإذاعة عام 2016 مصادفة بحتة، دون تخطيط مسبق، بل إنني تقدمت لتجربة الأداء في إذاعة جدة دون أن أعرف ترددها. لكن منذ اللحظة الأولى للجلوس أمام المايكروفون شعرت أنني في مكاني الطبيعي.
إذاعة جدة كانت نقطة التحوّل الحقيقية في تكويني المهني؛ هناك تعلمت أن الصوت ليس أداءً فقط، بل مسؤولية لحظية أمام الناس. تعلمت الفصاحة، والهدوء تحت ضغط البث المباشر، وفهم الموقف قبل التعليق عليه. ربما لهذا كنت من أسرع من تم اعتمادهم على الهواء مباشرةً، ليس لأنني كنت جاهزاً بالكامل، بل لأن بيئة العمل فيها أساتذة صقلوني بسرعة. كنت أتجول في ممراتها منذ الأيام الأولى وأنا أعي أن من داخل أسوار هذا المكان صدرت العديد من الأعمال التي كُتب لها الخلود منذ اللحظة الأولى، فكانت إذاعة المملكة العربية السعودية مهد الأغنية السعودية ومركز صناعة المحتوى الإعلامي السعودي. صحيح أنني كنت مشاغباً قليلاً في البداية، وأتعبت من حولي بأسئلتي، لكن المؤكد أن هذه التجربة انتهت بمحبة كبيرة من الزملاء، وكانت أهم مراحل التكوين التي صنعت شخصيتي الإذاعية والمهنية اليوم.
* هل ما زال الإعلام يصنع قصص نجاح... أم يكتفي بتلميعها؟
- هناك فرق كبير بين أن تروي قصة نجاح، وبين أن تلمّعها وتجعلها مثالية بلا عيوب. أميل دائماً إلى القصص التي فيها «مناطق ظل»، لأن النجاح الحقيقي لا يحدث في الضوء فقط، بل يُصنع في لحظات الشك والفشل. في برنامجي «مسك الكلام» عبر إذاعة جدة، كنت مهتماً بالمنطقة الرمادية في القصص التي تحدث من حولنا في مجتمعنا السعودي؛ كنت أبحث عن القصة وعن راويها ليحكي لي كل اللحظات بتفاصيلها، وليس لحظة تتويجهم بالنجاح، بل لحظة الشك، والخسارة، وقرار إعادة المحاولة.
وحصول البرنامج على جائزة «الشراع الذهبي» من مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون في دورته الـ16 عام 2024 كان مهماً لي، ليس لأنه تكريم فقط، بل لأنه اعتراف بأن الجمهور ما زال يبحث عن القصة الصادقة بتعقيداتها، لا عن القصة المثالية المسطّحة. كنت حريصاً على تقديم الإنسان خلف الفكرة، لا الصورة اللامعة فقط.
وفي تجربتي داخل النادي الأهلي السعودي مديراً للمشاريع، تعلمت معنى مختلفاً للنجاح. علمتني أن الإدارة تشبه الإعلام في جوهر واحد: كلاهما يدور حول فهم الإنسان تحت الضغط، وكيف يتخذ القرار في اللحظات الحرجة. من العمل مع إدارة الأستاذ وليد معاذ، والكابتن تيسير الجاسم، والرئيس التنفيذي يزن الشريف، وصولاً إلى تحقيق بطولة النخبة الآسيوية 2025، كانت التجربة مدرسة في فهم كيف تُصنع النتائج من تفاصيل صغيرة لا يراها الجمهور ولا تظهر في الصورة النهائية.
والحمد لله أنني جمعتُ في مسيرتي المهنية بين مؤسستين تختزلان إرثاً وطنياً وثقافياً عميقاً: إذاعة جدة، والنادي الأهلي. حيث كان لي شرف المشاركة في مرحلة التحول المؤسسي إلى شركة، والعمل على ملف الحوكمة، وتطوير البنية التحتية، متوجاً ذلك بإنشاء المقرات الجديدة وتأسيس متحف النادي.
* لماذا يختار بعض المؤثرين الغياب عن الضوء رغم نجاحهم؟
- لا أراه غياباً بقدر ما هو اختيار واعٍ لطبيعة الحضور. أنا شخص اجتماعي بطبيعتي، لكنني لا أرتاح لفكرة أن يتحول الإنسان إلى حضور مستمر فقط من أجل الظهور وحجز مساحة في المشهد.
كثيراً ما تأتيني دعوات لمناسبات وفعاليات فيها حضور إعلامي كبير، وغالباً أعتذر عنها. ليس انطواءً ولا خجلاً، بل لأنني أبحث عن معنى حقيقي في حضوري، لا عن الحضور لذاته. إذا لم أكن سأضيف قيمة أو أتعلم شيئاً، فغيابي أفضل. القيمة بالنسبة لي يجب أن تسبق الصورة، لا أن تأتي بعدها لتبريرها.
* هل الكيمياء الإعلامية بينك وبين سهى الوعل تُصنع... أم تُكتشف؟
- المفارقة أننا كنا نعمل سابقاً في إذاعة جدة، وكنت أرى الزميلة سهى الوعل في أروقة العمل وأظن أنها تميل للجدية الزائدة والتحفظ، لكن عندما جمعنا العمل معاً في تقديم برنامج «ألف شو» عبر إذاعة ألف ألف إف إم، اكتشفت العكس تماماً؛ شخصية عفوية، وسريعة البديهة، ومهنية بشكل كبير.
هذه الكيمياء انعكست بوضوح في «ألف شو»، حيث قدّمنا محتوى شبابياً تفاعلياً قريباً من لغة الناس اليومية، وحقق البرنامج تفاعلاً واسعاً عبر الاتصالات والمنصات. في البرنامج لم تكن الكيمياء مصنوعة أو متفقاً عليها، بل كانت مكتشفة لحظة بلحظة على الهواء. التفاعل بيننا كان طبيعياً وعفوياً، وهو ما وصل للجمهور بصدقه.
لكن يبقى السؤال الذي أبتسم له دائماً: هل نحن من صنعنا هذه الحالة بأدائنا... أم أن الجمهور هو من اكتشفها فينا ومنحها هذا الزخم؟.