صبحي شبانة
ليس من قبيل الصدفة أن تتحول بعض منصات التواصل الاجتماعي إلى ما يشبه «غرفة عمليات إعلامية» تسبق الحدث وتعيد تشكيله قبل وقوعه، ما نراه اليوم لم يعد مجرد تفاعل عفوي أو اجتهادات فردية، بل نمط متكرر ومنهجي يفرض على كل متابع أن يتوقف أمامه طويلًا، متسائلًا: من يملك القدرة على استشراف الأحداث بهذه الدقة؟ ومن يحدد زاوية روايتها قبل أن تتكشف معطياتها الكاملة؟
في زمنٍ تختلط فيه المعلومة بالتوجيه، وتتداخل فيه الحقيقة مع السرد الموجه، فلم تعد الكلمة بريئة دائمًا، ولم يعد التوقيت محايدًا كما كان يُفترض، هناك من يتقن صناعة التمهيد النفسي، يزرع الشكوك بمهارة، ويهيئ الرأي العام لتقبل سيناريو بعينه، حتى إذا وقع الحدث بدا وكأنه نتيجة طبيعية، لا مشروعًا مبيتًا جرى الإعداد له بعناية، وهنا لا تعود المسألة مجرد إعلام، بل تتحول إلى عملية إدارة وعي، تتجاوز حدود الخبر إلى تشكيل الإدراك الجماعي.
لقد دخلنا مرحلة لم يعد فيها الحدث هو البداية، بل صار أحيانًا مجرد تتويج لمسار طويل من التمهيد والتأثير، فقبل أن تقع الاحداث، تكون قد كُتبت روايتها، وقبل أن تُسمع الحقيقة، تكون الضوضاء قد سبقتها، تملأ الفضاء وتحدد الإطار الذي سيُفهم من خلاله كل شيء لاحقًا، وفي هذا السياق، تصبح بعض المنصات، أو لنقل بعض من يديرها، جزءًا من منظومة أوسع، تعمل وفق أهداف دقيقة، تتجاوز بكثير حدود التعبير الحر أو الرأي الشخصي.
المنطق البسيط، الذي لا يحتاج إلى تنظير معقد، يقول إن من يُبشّر بالخراب، ويُمهّد له، ويُسوّق روايته قبل أن يحدث، لا يمكن فصله عن دائرة الفعل، فالتواطؤ لم يعد دائمًا بالسلاح أو القرار السياسي المباشر، بل قد يكون بالكلمة، بالصورة، بالتوقيت المدروس، وباختيار اللحظة المناسبة لبث رسالة معينة في سياق معين، وهذا النوع من التواطؤ أكثر خطورة، لأنه يتخفى خلف واجهات تبدو في ظاهرها بريئة، بينما تمارس في جوهرها دورًا بالغ التأثير.
المنطقة اليوم تمر بمرحلة فرز حقيقي، لا مكان فيها لحالة الغموض التي طالما احتمى بها البعض، الاصطفافات باتت واضحة، والمواقف لم تعد تحتمل التأويل، والوجوه التي كانت تختبئ خلف شعارات عامة بدأت تسقط أقنعتها تباعًا، ما يحدث ليس مجرد سلسلة من الأحداث المتفرقة، بل هو عملية إعادة تشكيل شاملة للوعي الجمعي، تعيد تعريف مفاهيم أساسية مثل الوطنية، والانتماء، والمسؤولية.
في هذا المشهد المتشابك، لم يعد ممكنًا الاختباء خلف خطاب مزدوج، أو اللعب على الحبال، أو محاولة الجمع بين النقيضين، فزمن المجاملات قد انتهى، وحلّ مكانه زمن المكاشفة، حيث تُكتب المواقف بوضوح لا لبس فيه، وتُسجل في ذاكرة الشعوب التي باتت أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على الربط بين ما يُقال وما يحدث على الأرض.
لقد سقطت ادعاءات كثيرة تحت وطأة الواقع، وظهرت حقيقة الأدوار التي كانت تُمارس في الظل، سواء عن قصد أو عن غير قصد، ولم يعد الجمهور مجرد متلقٍ سلبي، بل تحول إلى طرف فاعل، يراقب، ويحلل، ويقارن، ويعيد بناء الصورة بعيدًا عن القوالب الجاهزة، وهذه نقطة تحول مهمة، لأن المعركة لم تعد فقط على الأرض فحسب، بل في العقول أيضًا.
وفي خضم هذا الصراع على الوعي، تتعاظم أهمية المسؤولية الفردية والجماعية في آن واحد، فكل كلمة تُكتب، وكل صورة تُنشر، وكل تعليق يُتداول، يمكن أن يكون جزءًا من معركة أكبر، إما في اتجاه كشف الحقيقة، أو في اتجاه تعميق الضباب، ومن هنا، يصبح الوعي هو خط الدفاع الأول، والقدرة على التمييز بين الحقيقة والتوجيه هي السلاح الأهم في زمن تتكاثر فيه الروايات وتتنافس على تشكيل الوعي والإدراك.
إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد مرحلة عابرة في تاريخ المنطقة، بل لحظة مفصلية تعيد ترتيب الأوراق، وتضع النقاط على الحروف في ملفات ظلت طويلاً مؤجلة أو مغلقة، إنها لحظة اختبار حقيقية، للأفراد قبل المؤسسات، وللمجتمعات قبل الدول، وفي مثل هذه اللحظات، لا مكان للحياد الزائف، المهادن، ولا قيمة للصمت الذي يُفسر أحيانًا كقبول ضمني.
التاريخ، كما علمتنا التجارب، لا يكتب النوايا بل المواقف، ولا يحفظ التردد بل الحسم، ومن اختار أن يكون شاهدًا صامتًا في لحظة تستدعي الوضوح، قد يجد نفسه لاحقًا جزءًا من رواية لم يرد يومًا أن يكون أحد فصولها، لذلك، فإن وضوح الموقف لم يعد ترفًا، بل ضرورة، والاصطفاف إلى جانب الحقيقة لم يعد خيارًا، بل مسؤولية.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ما نراه صدفة عابرة، أم جزء من مشهد أكبر تُدار خيوطه بعناية؟ الإجابة قد تختلف في التفاصيل، لكنها تتفق في الجوهر، نحن أمام واقع جديد، تُصاغ فيه الأحداث بقدر ما تُروى، ويُصنع فيه الوعي بقدر ما يُنقل، وفي هذا الواقع، لا ينجو إلا من امتلك بصيرة تتجاوز ظاهر الأشياء، وتدرك أن أخطر ما في الحدث.. ليس وقوعه، بل الطريقة التي يُمهَّد له بها.