مهدي العبار العنزي
حينما تنطق الجغرافيا والتاريخ بلغة واحدة، يصبح أمن الخليج العربي كُتلة صلبة لا تقبل التجزئة؛ فالمقذوف الذي ينطلق باتجاه الرياض يتردد صداه في الكويت، والمسيرة التي تحاول اختراق أجواء أبوظبي والدوحة تستنفر الدفاعات في المنامة ومسقط. هذه الحقيقة ليست مجرد شعار سياسي، بل هي عقيدة أمنية وعسكرية راسخة، تبرهن أن «وحدة المصير الخليجي» هي حائط الصد الأول والمنيع ضد أي اعتداء خارجي، لا سيما التهديدات القادمة من الفصائل المسلحة شمالاً أو غيرها.
فالتعاون الخليجي المشترك في مواجهة الاعتداءات يرتكز على دعائم إستراتيجية متينة، تجسد معنى وحدة الصف في أبهى صورها:
1 - العقيدة العسكرية الموحدة: «الاعتداء على أحدنا اعتداء علينا جميعاً» لم يكن اتفاق الدفاع المشترك بين دول مجلس التعاون مجرد حبر على ورق، بل تحول إلى بروتوكول عملياتي صارم. تنص الإستراتيجية الدفاعية الخليجية على أن أمن أي دولة عضو هو جزء لا يتجزأ من أمن بقية الدول.
- قوات درع الجزيرة المشتركة: تمثل هذه القوات الرمزية العسكرية الأهم لوحدة الصف، حيث أثبتت المحطات التاريخية السابقة جاهزيتها للتحرك الفوري لحماية السيادة الوطنية لأي دولة خليجية تتعرض لتهديد داخلي أو خارجي، كما حدث في محطات مفصلية لحفظ أمن هذه الدول واستقرارها والتجارب في ذلك كثيرة.
2 - التكامل الدفاعي والجوي (الربط الراداري الموحد)
في مواجهة السلاح الحديث المتمثل في «الطائرات المسيرة الانتحارية» والصواريخ الجوالة، طور الخليج منظومة دفاعية متكاملة:
- مشروع حزام التعاون: وهو شبكة الربط الراداري والاتصالات المؤمنة بين مراكز القيادة والسيطرة في دول المجلس. هذا النظام يتيح رصد أي هدف معادٍ يخرج من الأراضي العراقية أو غيرها، وتبادل المعلومات عنه في أجزاء من الثانية، مما يسمح لأي دولة خليجية باعتراض الخطر قبل وصوله إلى مجاله الجوي.
- مركز العمليات الجوي والدفاع الجوي الموحد: الذي يدير العمليات الدفاعية بروح الفريق الواحد، مما جعل الأجواء الخليجية واحدة من أكثر الأجواء حمايةً وتنسيقاً في العالم.
3 - التنسيق الاستخباري والأمني لقطع دابر الخلايا
لا تقتصر المواجهة على الجبهات العسكرية، بل تمتد إلى حرب العقول والمعلومات. يحقق التنسيق الاستخباري الخليجي نجاحات ضربت مشاريع الفصائل في مهدها من خلال:
- تجفيف منابع التمويل وشبكات تهريب الأسلحة والمتفجرات والمخدرات عبر الحدود البحرية والبرية.
- التبادل الفوري لقوائم المطلوبين والعناصر المرتبطة بالفصائل والكيانات الإرهابية، مما فكك العديد من الخلايا النائمة (كخلايا التخريب التي تحاول زعزعة الأمن وحرمان تلك الجماعات من إيجاد أي موطئ قدم في العمق الخليجي.
4 - الصوت الدبلوماسي الواحد في المحافل الدولية
حينما يتعرض الخليج لعدوان، تتحدث عواصمه الست في الأمم المتحدة، والجامعة العربية، والمحافل الدولية بلسان رجل واحد. هذا التضامن الدبلوماسي يفرض حصاراً سياسياً على القوى الداعمة لتلك الفصائل، ويجبر المجتمع الدولي على اتخاذ مواقف حازمة لحماية خطوط الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة العالمية التي يشكل الخليج شريانها النابض.
خاتمة: عمق واحد وصورة مشرفة
إن قوة دول مجلس التعاون لا تكمن فقط في ترسانتها العسكرية المتطورة، بل في «وحدة الصف» والوعي الشعبي والقيادي بأن استقرار المنطقة خط أحمر. لقد أثبتت الأزمات المتلاحقة أن الرهان على تفكيك المنظومة الخليجية هو رهان خاسر؛ فكل محاولة اعتداء لم تزد الخليج إلا تلاحماً، لتبقى دوله دائماً حصناً منيعاً، وجسداً واحداً إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، مرسخةً صورة مشرفة لعمق واستقرار هذه المنطقة الحيوية من العالم ولهذا فإنه على كل من ينتمي إلى هذه الدول يدرك أهمية التلاحم والتعاضد والوقوف صفا واحدا لحماية الأمجاد والمكتسبات والقيم التي لا تقبل النزول وهنا أقول:
حنا نقول إن الهدف وحدة الصف
وحفظ الحقوف وصونها والتلاحم
واللي يريدون الخطا نبعهم جف
وحنا نعيش بزود خير وتراحم
والله من وراء القصد.