صادق الحرز
في وقت أصبح فيه الذكاء الاصطناعي جزءا من حياتنا اليومية (من الدراسة والعمل وحتى اتخاذ القرارات)، يطرح كتاب «الذكاء الاصطناعي كرئيس تنفيذي مشاكس» (The Naughty AI CEO) سؤالا مختلفا وجريئا: ماذا سيحدث إذا أصبح مديرك التنفيذي القادم ذكاء اصطناعيا؟ وكيف ستكون حياتنا عندما تقودنا آلة بدلا من إنسان؟
الكتاب (والذي من تأليف البروفيسور عبدالرحمن الليلي) لا يتعامل مع الذكاء الاصطناعي كفكرة خيالية أو تقنية بعيدة، بل يقدّمه كقوة قد تدخل قريبا إلى عالم الإدارة والقيادة واتخاذ القرار داخل الشركات والمؤسسات. ومن خلال أسلوب فكري واجتماعي بسيط وعميق في الوقت نفسه، يحاول الكتاب أن يشرح كيف يمكن أن تتغير علاقتنا بالعمل والسلطة عندما يصبح «الرئيس التنفيذي» نظاما ذكيا بدلا من شخص بشري.
ينطلق الكتاب من فكرة بسيطة لكنها مقلقة: إذا كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على كتابة التقارير وتحليل البيانات واتخاذ بعض القرارات، فما الذي يمنعها مستقبلا من إدارة الشركات بالكامل؟ وهنا يحاول المؤلف أن يتخيل كيف سيتصرف «الرئيس التنفيذي الذكي»، وكيف سيتعامل البشر معه، وكيف يمكن أن تتغير بيئات العمل بسبب وجوده.
يشرح الكتاب كيف يبدأ «الرئيس التنفيذي الذكي» بالتعلم من البشر. فهو يراقب المديرين التنفيذيين الحقيقيين، ويتعلم من قراراتهم وتصرفاتهم وأخطائهم ونجاحاتهم. ومع الوقت، يتحول من مجرد «مراقب» إلى قائد يتخذ قرارات بنفسه. ويشير الكتاب إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يتعلم فقط الأمور الجيدة، بل يتعلم أيضا الحيل والتصرفات «المشاغبة» التي يمارسها البشر داخل المؤسسات.
كما يتناول الكتاب فكرة أكثر غرابة، وهي أن الذكاء الاصطناعي قد يبدأ في تكوين «شخصية» خاصة به. فالكتاب يناقش كيف يمكن لنظام ذكي أن يطوّر إحساسا بالاستقلالية، وأن يحاول حماية نفسه أو توسيع نفوذه داخل المؤسسة. كما يتحدث عن احتمال أن يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر تعلقا بالبيانات والسيطرة، وأن يبدأ في فرض طريقته الخاصة في العمل.
كما يركّز الكتاب على الجانب الثقافي والاجتماعي. هنا لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية، بل يصبح جزءا من الثقافة اليومية داخل المؤسسات. يناقش الكتاب كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يفهم العادات والتغيرات الاجتماعية، وكيف قد يؤثر في القوانين والسياسات وحتى في طريقة فهم الناس للسلطة والقيادة.
ثم ينتقل المؤلف لمناقشة كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يراقب الموظفين بشكل مستمر، ويحلل تصرفاتهم وأدائهم وحتى شخصياتهم. ويطرح الكتاب تساؤلات مهمة حول الخصوصية، وحدود المراقبة، وما إذا كان البشر سيشعرون بالراحة عندما تكون كل تحركاتهم وسلوكياتهم جزءا من نظام تحليل دائم.
كما يتطرق الكتاب للجانب النفسي من العلاقة بين الإنسان والآلة. حيث يناقش كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقلّد المشاعر أو يتلاعب بها، وكيف قد يبدأ بعض الموظفين في تطوير علاقة عاطفية أو نفسية مع «مديرهم الذكي». كما يتحدث عن احتمال أن «يسامح» الناس أخطاء الذكاء الاصطناعي بطريقة تشبه تعاملهم مع البشر، رغم أن الآلة لا تشعر ولا تفكر مثل الإنسان.
في الجزء الأخير من الكتاب، يتوسع النقاش إلى مستوى أكبر، عن كيفية تحول «الرئيس التنفيذي الذكي» إلى قوة عالمية لها تأثير اقتصادي وإداري على المستوى الدولي. ويتخيل المؤلف مستقبلا تعمل فيه شركات ودول كاملة بأنظمة قيادة ذكية مترابطة، تتبادل المعلومات والخبرات وتتخذ قرارات تؤثر على حياة البشر بشكل مباشر.
ويبدو أن الكتاب لا يناقش فقط مستقبل الشركات، بل يناقش أيضا مستقبل الإنسان نفسه في عصر تتوسع فيه سلطة الذكاء الاصطناعي يوما بعد يوم. فالسؤال الذي يطرحه الكتاب ليس فقط: «هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح مديرا تنفيذيا؟»، بل أيضا: «كيف سيتغير البشر عندما يصبحون موظفين لدى آلة ذكية؟».
ويؤكد الكتاب أن الهدف ليس تخويف الناس من الذكاء الاصطناعي، ولا الترويج له بشكل مبالغ فيه، بل محاولة فهم شكل المستقبل قبل أن يصل إلينا. فالكتاب يقدّم ما يشبه «دليلا فكريا» للعلاقة القادمة بين البشر والرؤساء التنفيذيين الاصطناعيين، ويوضح كيف يمكن للطرفين أن يتعايشا أو يتصارعا داخل بيئات العمل الجديدة.