د. جمال الراوي
{وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} (الذاريات: 22-23). إنّها ليست مجرّد كلماتٍ تُتلى، ولا آياتٌ تمرّ على السمع ثم تمضي؛ إنّها هزّةٌ تنتزع القلب من وحل الأرض، وترفعه إلى الأفق البعيد.. إلى هناك.. حيث تُقدَّر الأرزاق، وتُكتب المقادير، وتتحرّك الحياة كلّها وفق ميزانٍ خفيّ لا تراه الأبصار، ولكنّ آثاره تملأ الوجود.
الإنسان ابنُ هذه الأرض؛ يمشي فوق ترابها، ويغرق في أسبابها، يستيقظ كلّ صباحٍ مثقلًا بهمّ السعي والرزق والمستقبل. يخرج يطارد يومه، يظنّ أنّ رزقه مختبئٌ في الطرقات، أو في الأسواق، أو في الوظائف، أو في أيدي الناس. ومع تكرار السعي، وطول الاحتكاك بالأسباب، تنشأ في داخله عقيدةٌ خفيّة؛ أنّ هذه الأسباب هي التي تجلب الرزق، وأنّ الحياة تدور معها وجودًا وعدمًا.
وهنا تأتي هذه اللمسة القرآنيّة لتقلب التصوّر كلّه: {وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ}، نعم؛ في السماء.. لا في الأرض التي تتقاتلون عليها، ولا في الأسواق التي تلهثون فيها، ولا في خزائن البشر التي ترتجفون خوفًا منها أو طمعًا فيها، ولا في الحروب التي تشعلونها طمعًا بالموارد والثروات، ولا في الأساليب التي تبتدعونها، ولا في حيلكم وغدركم وغشّكم.
هناك.. فوق هذا العالم المحدود الذي تعيشون فيه.. عند الله تُكتب المقادير قبل أنْ تحرّكوا أقدامكم تمشون فوق التراب، وقبل أنْ تفتحوا متاجركم، وقبل أنْ تضعوا فؤوسكم تحرثون أرضكم.. لا بل هي قبل ذلك كلّه؛ فهي قبل أنْ تولدوا، وقبل أنْ تعرفوا السعي فوق الأرض.
إنّها الحقيقة العظمى التي يريد القرآن أنْ يغرسها في أعماق القلب: أنّ الرزق ليس وليد الأسباب، وإنْ جرى من خلالها؛ وأنّ العطاء لا تصنعه الأرض، وإنْ ظهر عليها. فالأرض ليست إلّا مسرحًا تجري فوقه الأقدار، أمّا الأمر كلّه فمصدره هناك.. في السماء.
ومن هنا يبدأ الإنسان يفهم سرّ الحياة الذي يحيّره طويلًا؛ يفهم لماذا يكدح إنسانٌ حتّى تتشقّق يداه، ثم لا يجد إلّا قوت يومه، بينما تُفتح الدنيا لآخر من حيث لا يحتسب. يرى عاملًا يستهلك عمره في التعب والكدح، ثم يعود آخر النهار مُنهك الروح والجسد، لا يحمل إلّا القليل، ويرى آخر جالسًا في متجره أو مكتبه، فتأتيه الأرباح والأرزاق واسعةً متدفّقة.
وليس معنى هذا أنّ السعي لا قيمة له، أو أنّ الإسلام يدعو إلى البطالة والتواكل؛ كلا.. فالله الذي قال: {وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ} هو الذي قال: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ}. ولكنّ القضية كلّها في تصحيح موضع القلب؛ في ألّا يتحوّل السبب إلى إلهٍ خفيّ يُعبد من دون الله، وفي ألّا ينسى الإنسان أنّ هذه الأسباب نفسها لا تعمل إلّا بإذن الله.
إنّ الناس ينسون هذه الحقيقة حين يطول احتكاكهم بالأرض. ينسونها حين يرون الأبواب تُفتح بالمال، والمصالح تتحرّك بالقوّة، والوظائف تُنال بالوساطات، والأسواق تقوم على الحسابات الدقيقة. وعندئذٍ ينسى القلب ربّه شيئًا فشيئًا، ويتحوّل خوفه من الله إلى خوفٍ من البشر، ويتحوّل تعلّقه بالسماء إلى تعلّقٍ بالأسباب.
وهنا يكمن الخطر الحقيقيّ.. لا في طلب الرزق، بل في عبوديّة القلب للرزق. فالإنسان قد يظنّ نفسه مُوحّدًا، بينما قلبه في الحقيقة ساجدٌ للسبب؛ يخاف على لقمة عيشه أكثر ممّا يخاف على دينه، ويرتجف من ضياع الوظيفة أكثر ممّا يرتجف من ضياع رضى الله، ويبيع طمأنينته كلّ يومٍ في سبيل وهمٍ اسمه «الأمان المادي».
بعضهم يخاف على وظيفته، وآخرون يخشون من أرباب أعمالهم، وآخرون ينافقون حرصًا على بقاء أرزاقهم، وآخرون يبحثون عن أرزاقهم فيجدوها في الغشّ والسرقة، وآخرون يبدّلون ويغيرون مصادر رزقهم، علّهم يجدون الوفرة في إحداهما.. بينما القانعون والمطمئنون هم الذين يسعون بصبرٍ وطمأنينة، دون خوفٍ ولا قَلَقٍ، مدركين أنّ الأمرَ محسومٌ، لا يحتاج إلّا إلى صبرٍ، ومثابرةٍ، وانتظارٍ هادئ لما يقدّره الله.
فالقرآن يريد أنْ يحرّر القلب، ويوسّع على النّفس، ويرفع عنها هذه القيود، حتى تتنفس هواء الرزق دون توجّسٍ ولا وَسْوَاس .. يريد أن يُدخل الإنسان إلى تلك الطمأنينة العميقة التي تجعله يعمل، ولكن دون عبوديّة؛ يسعى، ولكن دون هلع؛ يأخذ بالأسباب، لكن قلبه لا يركع لها ولا يخضع.
ولهذا كان الأنبياء والصالحون أكثر الناس عملًا، لكنّهم كانوا أقلّ الناس تعلّقًا بالأسباب. لقد رعى موسى الغنم، وكان داود يصنع الدروع، وعمل نوحٌ بيديه، وتاجر محمّد صلى الله عليه وسلم في الأسواق؛ ولكنّ قلوبهم لم تكن معلّقة بما في أيديهم، بل بما عند الله. كانت أيديهم تتحرّك في الأرض، بينما أرواحهم معلّقة بالسماء.
فالسماء تُنزِل الرزق، ولكنّ الله شاء أنْ يجعل له أبوابًا في الأرض، وشاء أنْ يكون السعي نفسه عبادةً واختبارًا وتربيةً للإنسان. ولذلك لم تنزل الأرزاق على الناس وهم نائمون، وإنّما جعل الله للحياة سننًا، وجعل للأشياء أسبابًا، ولكنّه أراد في الوقت نفسه ألّا تتعلّق القلوب بهذه الأسباب، بل بربّ الأسباب.
إنّ الفرق الدقيق الذي يريد القرآن أنْ يصنعه في نفس المؤمن هو هذا التوازن العجيب؛ أنْ تتحرّك الجوارح في الدنيا بكلّ قوّتها، بينما يبقى القلب معلّقًا بالله وحده.
وحين تستقرّ هذه الحقيقة في القلب، يتغيّر شعور الإنسان بالحياة كلّها. لا يعود الرزق وحشًا يطارده، ولا المستقبل شبحًا يخيفه، ولا الناس مفاتيح لعطائه أو منعه. يعمل.. نعم.. ويتعب.. نعم.. ولكن بروحٍ هادئة مطمئنّة، تعرف أنّ ما كُتب لها سيأتيها، وأنّ ما لم يُكتب لها لن تصنعه قوّة الأرض كلّها. وهنا يتحرّر الإنسان من أضخم مخاوفه.
إنّ معظم شقاء البشر ليس من قلّة الرزق، بل من القلق عليه؛ من ذلك الفزع الدائم الذي يجعل القلب يركض بلا توقّف، كأنّه مطاردٌ بشبح الفقر والحرمان. والقرآن يريد أنْ يسكب في هذا القلب المرهق شيئًا من السكينة؛ يريد أنْ يقول له: اطمئن.. فرزقك ليس تائهًا في الأرض، بل محفوظٌ عند الله.
ومن أجل ذلك تتنوّع طرق الناس في طلب أرزاقهم. فهذا يجد رزقه في البحر، وذاك في التجارة، وآخر في العلم، وغيرهم في الزراعة أو الصناعة أو السفر. منهم مَن يبحث عنه فوق الأرض، ومنهم مَن يستخرجه من باطنها، ومنهم مَن يأتيه رزقه وهو معلّق بين السماء والأرض. تتعدّد الطرق، لكنّ المصدر واحد، والرازق واحد، والتقدير واحد.
{وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ}، ثم تمضي الآية إلى أفقٍ أوسع: {وَمَا تُوعَدُونَ}. فالقضية ليست رزقًا فحسب؛ إنّها كلّ الأقدار، وكلّ المواعيد، وكلّ ما ينتظر الإنسان في هذه الرحلة الطويلة. هناك أقدارٌ لا تُشترى بالمال، ولا تُنتزع بالقوّة، ولا تُنال بكثرة الجهد؛ كمحبّة الناس، والسكينة، والولد الصالح، والقبول، والراحة الداخليّة.
قد يملك الإنسان المال كلّه، ثم يُحرَم الطمأنينة، فيعيش فقيرًا رغم كنوزه. وقد يُرزق آخر قلبًا راضيًا، فيعيش غنيًّا ولو لم يملك شيئًا. وقد يسعى إنسانٌ ليجمع الناس حوله، فلا يجد إلّا الوحشة، بينما يُلقى القبول في قلب آخر دون أنْ يطلبه. وقد يُرزق رجلٌ أولادًا كثيرين، ثم لا يجد فيهم مَن يقرّ عينه، بينما يُرزق آخر ولدًا واحدًا يملأ حياته نورًا ورحمة.
إنّها أقدارٌ تنزل من السماء كما ينزل الرزق سواءً بسواء. ولهذا يعيش بعض الناس في بحبوحةٍ من المال، ولكنّ أرواحهم تئنّ من القلق والفراغ والخوف. تتحوّل النعمة في أيديهم إلى عبء، ويتحوّل المال إلى بابٍ للشقاء، لأنّهم ظنّوا أنّ الغنى في كثرة ما يملكون، بينما الغنى الحقيقيّ شيء آخر تمامًا.
فالغنى الحقيقيّ أنْ يطمئنّ القلب، ومن هنا يجيء ذلك القسم المزلزل الذي ترتجف له الروح: {فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ}. إنّه قسمٌ يهزّ الكيان هزًّا؛ كأنّ السماء والأرض كلتيهما تشهدان على هذه الحقيقة. ثم لا يترك القرآن الأمر غيبًا بعيدًا، بل يقرّبه إلى النفس البشريّة بأوضح ما تعرفه من يقين: {مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ}. كما أنّ الإنسان لا يشكّ لحظةً أنّه يتكلّم.. فكذلك ينبغي ألّا يشكّ في رزق الله ووعده وقدره.
وهكذا يبقى الإنسان بين الأرض والسماء.. جسده يمشي فوق التراب، وروحه تتعلّق بما فوق التراب. يكدح بيديه في هذه الدنيا الضيّقة، بينما رزقه وقدره وسعادته وشقاؤه كلّها تأتيه من ذلك العالم الغيبيّ الذي لا تراه العين.
فإذا أدرك هذه الحقيقة، هدأ قلبه.. وخفّت وحشة الدنيا في عينيه.. ولم يعدْ يطارد الحياة كما يطارد العطشان سرابًا في الصحراء.. بل يمشي فيها مطمئنًّا، ساكن الروح، يعلم أنّ ما عند الله لا يفوته، وأنّ ما فاته لم يكنْ له.. فالآيتان الكريمتان لا تصرخ في وجه قارئهما، بل تريد أنْ تهدأه، وتجلب الراحة النفسيّة إلى خاطره، حتى يرتاح، ويعود إلى بيته من كدّ يومه، وهو قانعٌ بأّن رزقه لم يتركه وراءه، بل لحقه لينام بجوار فراشه.