باسم سلامة القليطي
يقف المرء في هذا المدى الممتد فلا يرى إلا شواهد تنطق بالحُسنى، معلنة أن وراء السكون والحركة رباً يدبر الأمر بميزان لا يختل. إن تأمل عظمة الله ليس ترفاً يزجي به السالك وقته، بل هو ضرورة وجودية تتطلبها الروح لئلا تضيع في تيه الماديات. وحين يمتلئ الوجدان بهذا الجلال، تتلاشى الشكوك ويحل مكانها يقين دافئ؛ فتزول الهموم بذكره، وتسكن القلوب في حمى أمنه، ويصبح العبد معلقاً بربٍّ حكيم يُسَيِّرُ هذا الكون الفسيح برحمة بالغة وعلم محيط.
ليست أعظم النعم أن يملك الإنسان ما يريد، بل أن يعرف إلى من يلجأ حين يفقد كل شيء. فكم من إنسان أحاطت به أسباب الراحة، لكنه يعيش قلقاً لا يهدأ، وكم من قلب أثقلته الحياة ثم عاد إلى الله فعاد مطمئناً كأن شيئاً لم يكن. لأن الأرواح لا تُشفى إلا بقرب خالقها، ولا تستقر إلا في ظلال العبودية له. فالعبد حين يعرف الله حق المعرفة، يدرك أن الدنيا كلها صغيرة أمام عظمة خالقها، وأن ما يفوته من الدنيا لا يساوي شيئاً إذا كان الله معه. ولهذا كانت أعظم الهبات أن يفتح الله لعبده باب الأُنس به، وأن يجعله متعلقاً به في خوفه ورجائه وفرحه وحزنه، لأن من عرف الله لم يعد تائهاً ولو ضاقت به الطرق كلها.
إن ذكر الله ليس عبادة عابرة تؤدى باللسان، بل حياة كاملة تُبعث بها القلوب من جديد. فالهموم التي تعجز عنها الكلمات، يبددها ذكر الله، والقلوب التي أرهقتها الدنيا، يعيدها الذكر نقية هادئة مطمئنة. لأن الإنسان حين يذكر الله لا يستحضر اسماً مجرداً، بل يستحضر رباً عظيماً بيده كل شيء، يسمع أنينه، ويرى ضعفه، ويعلم ما في قلبه قبل أن ينطق به. ولذلك كان الذاكرون أكثر الناس سكينة، ليس لأن حياتهم خالية من المتاعب، بل لأن قلوبهم امتلأت يقيناً بأن الله معهم. وما أثقل الدنيا على القلوب الغافلة، وما أخفها على قلب امتلأ بالله، يعرف أن كل أمره بيد الرحيم، وأن ما كتبه الله له خير، وإن بدا في ظاهره موجعاً.
وإذا كان الذكر يحيي القلوب، فإن الشكر يحفظ النعم ويبارك فيها. فالنعم لا تدوم بالقوة ولا بالذكاء ولا بكثرة الأسباب، وإنما تدوم حين يرى العبد فضل الله فيها. والشاكر لا ينظر فقط إلى ما يملكه، بل ينظر إلى المعطي قبل العطاء، فيمتلئ قلبه حبا لله وحياءً منه. ولهذا يعيش الشاكرون براحة لا يملكها غيرهم، لأن أرواحهم لا تتعلق بما في أيديهم، بل بمن أنعم عليهم بها. وقد يعيش الإنسان بالقليل لكنه يشعر أنه أغنى الناس، لأن الله ملأ قلبه رضا، بينما يعيش آخر وسط النعم وهو في صراع دائم مع القلق والسخط والطمع. فالعبودية لله تُحرر القلب من عبودية الدنيا، وتجعله غنياً بالله ولو خلا من كل شيء.
وطاعة الله ليست تكليفاً ثقيلاً كما يظن البعض، بل رحمة عظيمة تحفظ الإنسان من التيه والانكسار. فالله لم يأمر عباده بشيء إلا وفيه صلاح قلوبهم وحياتهم، ولم ينههم عن شيء إلا وفيه فساد أرواحهم وإن ظنوه لذة مؤقتة. وكلما ابتعد الإنسان عن منهج الله، ازداد اضطرابه ولو امتلك الدنيا بأسرها، لأن الروح خُلقت لتعبد الله، فإذا انقطعت عنه ذبُلت مهما أغرقها أصحابها بالمتع والشهوات. إن الصلاة ليست مجرد حركات تؤدى، بل لحظة يعود فيها القلب إلى موطنه الحقيقي. والسجود ليس هيئة جسد، بل انكسار روح تعلم أن لا ملجأ لها إلا الله. ولهذا كان أقرب ما يكون العبد من الراحة حين يكون أقرب ما يكون من ربه.
قال ابن القيم: قال بعض المحبين: مساكين أهل الدنيا خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها، قالوا: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله، والأنس به، والشوق إلى لقائه، والإقبال عليه، والإعراض عما سواه.
ومن أعظم أسرار العبودية أن الإنسان كلما ازداد افتقاراً إلى الله، ازداد قوة وثباتاً. فالناس تظن أن القوة في الاستغناء، بينما الحقيقة أن أعظم القوة أن يكون قلبك متعلقاً بالله وحده. فمن توكل عليه هدأ خوفه، ومن لجأ إليه انطفأت وحشته، ومن فوَّض أمره إليه شعر أن الدنيا كلها أهون من أن تكسره. ولذلك كان الدعاء باباً من أعظم أبواب الرحمة، لأن العبد حين يرفع يديه إلى الله يشعر أن فوق ضعفه قوة لا تُغلب، وفوق حزنه رحمة لا تنفد، وفوق ضياعه رباً كريماً لا يترك عبده وحيداً. وما أجمل أن يعيش الإنسان وهو يعلم أن الله يسمعه في كل حين، وأنه سبحانه أقرب إليه من كل أحد، وأرحم به من نفسه.
إن العبودية لله ليست نقصاً في الإنسان، بل كماله الحقيقي. فالذي يخضع لله وحده لا تذله الدنيا، ولا تستعبده الشهوات، ولا تحكمه نظرة الناس. لأنه يعرف أن العزة كلها لله، وأن الكرامة الحقيقية في القرب منه، لا في التصفيق الزائف ولا في متاع الدنيا الزائل. وكلما ازداد العبد معرفة بالله، ازداد حياءً منه، وحباً له، وشوقاً إليه، حتى تصبح العبادة راحته لا ثقله، ويصبح الدعاء أُنسه لا عادته، ويصبح السجود موطن طمأنينته في هذه الحياة المضطربة. فالسعادة الحقيقية ليست أن يملك الإنسان الدنيا، بل أن يملك قلباً يعرف الله، ويثق به، ويطمئن إليه، لأن من كان الله معه فلن يضيعه شيء، ومن فقد الله فلن تغنيه الدنيا كلها عن وحشة قلبه أبداً.