د. تنيضب الفايدي
الكتابة عن طيبة أدب رائع لا يوجد ولن يتكرر مثل هذا البحث العلمي أبداً والاحتفاظ به لك ولأبنائك يعتبر كنزاً ثميناً، ولاسيّما أن الكاتب ربّما هو الوحيد في الوطن وقد جمع بين شهادات كلّ من جامعة الملك سعود (الرياض) وجامعة الملك عبد العزيز وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بدرجة ممتاز، وطيبة أخذ هذا الاسم من الطيب وذلك لطيبها، ولأنـها تطيّبت بوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم بها، وقيل: تسميتها بهذه: إما لطيب تربتها وطهارتها من الأدناس من الكفر والشرك، أو لطيبها لساكنها، أو من طيب العيش فيها، أو لأنها تنفي خبثها وينصع طيبها أو لطيب هوائها أو طيب تربتها وطيب أمورها كلها.
قال ياقوت: وهو اسم لمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال لها: طيبة وطابة من الطيب وهي الرائحة الحسنة لحسن رائحة تربتها فيما قيل. والطّاب والطيب لغتان، وقيل: من الشيء الطيب، وهو الطاهر الخالص لخلوصها من الشرك وتطهيرها منه، وقال الخطابي: لطهارة تربتها، وهذا لايختص بهناك؛ لأن الأرض كلها مسجد وطهور، وقيل: لطيبها لساكنيها ولأمنهم ودعتهم فيها، وقيل: من طيب العيش بها من طاب الشيء إذا وافق، قال صرمة الأنصاري:
فلما أتانا أظهر الله دينه
وأصبح مسروراً بطيبة راضياً
وقال الفضل بن عباس اللهبي:
وعلى طيبة التي بارك الله
عليها بخاتم الأنبياء
وقال أبو عبيد الله بن قيس الرقيات:
يا من رأى البرقَ بالحجاز فما
أقبس أيدي الولائد الضَّرما
لاحَ سناه من نخل يثرب فالـ
ـحرّة حتى أضا لنا إضما
أسقى به الله بطن طيبةَ فالـ
ـرّوحاء فالأخشبين فالحرَما
أرضٌ بها تثبت العشيرةُ قد
عشنا وكنا من أهلها علما
وقال الشاعر:
يا أهلّ طيبة قد سكنتم أضلعي
فودادُكم نامٍ وشوقي مُحْكمُ
لا غروَ أن أرعى هواكم منشداً
من أجل عين ألف عين تُكرمُ
وقال الشاعر:
أيا ساكني أكنافِ طيبة حسبُكم
من السعي للعليا جيرةُ أحمدِ
فمن يبتغي عنها بلاداً وإن سمت
لأمْرٍ من الدنيا فليس بمهتدِ
وقد سماها بهذا الاسم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: كانوا يسمون المدينة يثرب، فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم طيبة. وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في قصة الأعرابي الذي هاجر ثم حُمَّ فطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يقيله الهجرة، ثم خرج بغير إذن، فلما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنها طيبة تنفي خبث الرجال كما ينفي الكير خبث الحديد» وعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال: «سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة طيبة».
وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى غزوة أحد، رجع ناس ممن خرج معه، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فرقتين: فرقة تقول: نقاتلهم، وفرقة تقول: لا نقاتلهم فنزلت فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ سورة النساء الآية (88)، وقال: «إنها طيبة، تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة» وفي رواية: «تنفي الذنوب». متفق عليه.
وعن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في قصة حديث الجسّاسة (الدجال) وفي آخره قال: «أي الدجّال: وإني مخبركم عني، إني أنا المسيح، وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج، فأخرج، فأسيرُ في الأرض، فلا أدع قرية إلا هطبتُها في أربعين ليلة، غير مكة وطيبة، فهما محرمتان على كلتيهما، كلما أردت أن أدخل واحدة أو واحداً منهما، استقبلني ملك بيده السيفُ صلتاً، يصدني عنها، وإنّ على كل نقب منها ملائكة يحرسونها» قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وطعن بمخصرته في المنبر: «هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة».
رواه مسلم. وقد جاء ذكر اسم «طيبة» لهذه المدينة في حديث الدجال وفيه: «لو قد أفلتُ من وثاقي هذا لم أدع أرضاً إلا وطئتها برجلي إلا طيبة، فإنه ليس لي عليها سلطان. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : هذه طيبة والذي نفس محمد بيده ما فيها طريق واسع ولا دقيق ولا سهل ولا جبل إلا عليه ملك شاهر سيفه إلى يوم القيامة.
قال القزويني في كتابه (آثار البلاد وأخبار العباد) عند ذكر المدينة المنورة: «وللطيب فيها فضل رائحة عليه منه في غيرها» وما أحسن ما قال:
يا خيرَ من دُفنتْ في التُّربِ أعظُمُهُ
فطابَ من طيبهنَّ القاعُ والأكُمُ
نفسي الفداء لقبرٍ أنت ساكنُه
فيه العفافُ، وفيه الجودُ والكرمُ
وقال آخر:
أكرم بها بقعةً بالمصطفى شَرُفَتْ
على البقاع فضمَّت أكرمَ الرسل
أجل من وطئ الغبرا، وأفضلَ من
مشى على الأرضِ من حافٍ ومنتعل
وقال أبو عبيد الله بن قيس الرُّقيّات:
يا من رأى البرقَ بالحجازِ فما
أقبس أيدي الولائد الضَّرمَا
لاح سناه من نخل يثرب فال
عرة حتى أضالنا إضما
أسقى به الله بطن طيبة فال
روحاء فالأخشبين فالحرمَا
أرض بها تثبت العشيرة قد
عشنا وكنا من أهلها علما
قال البكري : اسم مدينة الرسول -صلى الله عليه وسلم- معروف، قال الشاعر:
طربتُ وداري بأرض العراق
إلى مَنْ بطيبةَ والمسجدِ
وقد جاءت طيبة في الأبيات كثيراً، قال الشاعر:
لَعلَّ أراكَ الحَيّ لَيْلاً أراكَهُ
وميضُ سَناً مِنْ نَحْوِ طَيْبَةَ يَخْلُصُ
ومالي من وجهٍ ولا منْ وسيلةٍ
سوى أنّ قلبي في المحبةِ مُخْلِصُ
إذَا صحَ منْكَ القُرْبُ يا خيرَ مُرْسَلٍ
على أيّ شيء بعد ذلك أَحْرِصُ
وليسَ يخافُ الضَّيمَ مَنْ كُنْتَ كهْفَهُ
فعن أي شيء غير جاهِكَ يفْحَصُ
عليكَ صلاةٌ يشْمِلُ الآلَ عَرْفُهَا
وللجُمْلَةِ الأصحابِ مِنْهَا تَخَصُّصُ
وقال الشاعر:
إذا لم تطب في طيبةٍ عند طيّب
به طيبةٌ طابت، فأين تطيبُ؟
فإن لم يُجب في حيّها ربُّنا الدعا
ففي أيّ حيّ للدعاء يجيب؟
وأنشد لنفسه ابن جابر الأندلسي:
هناؤكمُ يا أهل طيبة قد حُقَّا
فبالقرب من خير الورى حُزْتمُ السَّبْقا
فلا يتحرَّك ساكنٌ منكمُ إلى
سواها، وإن جار الزمان وإن شَقا
فكم ملكٍ رام الوصول لمثل ما
وصلتم فلم يقدر، ولو ملك الخَلْقا
فبشراكُمُ نِلْتُمُ عنايةَ ربكم
فها أنتمُ في بحر نعمتِه غَرقَى
ترون رسولَ اللهِ في كلِّ ساعة
ومن يَرَه فهو السعيد به حقّا
وقال الشاعر:
حَيَّاكِ يا تُرْبة الهادي الشَّفِيع حياً
بِمَنْطق الرَّعْدِ بادٍ مِنْ فم السُّحُبِ
يا ساكِنِي طيبة الفَيْحَاء هَلْ زَمنٌ
يُدْنِي المُحِبّ لِنَيْل السؤلِ والأربِ
ضَمَمْتِ أعْظُمَ منْ يُدْعَى بأعظَمِ منْ
يَسْعَى إليه أَخُو صِدْقٍ فَلَمْ يَخِب
وَحُزْتَ أَفْصَحَ مَنْ يَهْدِي وأوْضَحَ مَنْ
يُبْدِي وأَرْجَحَ مَنْ يُعْزى إلى نَسَبِ
تَحْدُو النِّياقَ كِرامٌ نَحْوَ تُرْبَتِهِ
فتملأ الأرضَ مِنْ نُجب ومِنْ نُحب
وقال الشاعر:
وإني لمشتاق إلى أرضِ طيبةٍ
وإنْ خانني بعدَ التفرقِ إخواني
سقى الله أرضاً لو ظَفِرتُ بتربها
كحلتُ بها من شدة الشوقِ أجفاني
وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه يرثي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقد بدأ بطيبة:
بطيبةَ رسمٌ للرسولِ ومعهدٌ
منيرٌ ، وقد تعفو الرسومُ وتهمدُ
ولا تنمحي الآياتُ من دار حرمةٍ
بها منبَرُ الهادي الذي كانَ يصْعَدُ
وواضحُ آياتٍ، وباقي مَعَالمٍ
وربعٌ له فيهِ مصلَّى ومسجدُ
بها حجراتٌ كانَ ينزلُ وسطها
من الله نورٌ يستضاءُ، ويوقَدُ
وقــال ابن جابر:
إذا قمتَ فيما بينَ قبرٍ ومنبرٍ
بطيبةَ فاعرفْ أينَ منـزلُك الأرقى
لقد قمتَ في دارِ النعيم بروضةٍ
ومن قامَ في دارِ النعيمِ فلا يشقى
وذكر أبو اليمن المراغي طيبة وهو يذكر آبار النبي صلى الله عليه وسلم:
إذا رُمّتَ آبارَ النبيِّ بطيبةٍ
فعِدّتُها سَبْعٌ، مقالاً بلا وَهْنِ
أريسٌ وغرسٌ، رومةٌ وبضاعةٌ
كذا بُصَّةٌ، قلْ بئرَ حاء، مع العِهن
وقال فخر الدين الخاتوني:
يا أهل طيبة لا زالتْ شمائلكُم
كالرَّوض باكرهُ سارٍ من الدّيم
أنفاسكم والنُّفوسُ الغُرُّ ما برحتْ
كالزُّهرِ والزُّهْرِ في لطفٍ وفي كَرَمِ
وقال الشيخ أبو بكر الرداد:
لي بأكناف طيبةَ بين سَلْعٍ
والعوالي مسامرٌ وشجونُ
وحبيبٌ إذا تألّق برق
من سَنَا أرضه تفيض العيون
يا أهيلَ الحِمى وبانِ المصَلَّى
وقباب النقا بكم أستعين
وما أصدق من قال:
إذا كنتَ في طيبةٍ ساكناً
وكنتَ بعيداً من المسجدِ
فإنَّ فضيلةَ مَنْ قدْ دنَتْ
به دارُه منه لم تُجْحدِ
وقال صرمة الأنصاري:
فلما أتانا أظهر الله دينه
وأصبح مسروراً بطيبة راضياً
وقال الفضل بن عباس اللهبي:
وعلى طيبة التي بارك الله
عليها بخاتم الأنبياء
ويقول جمال الدين يحيى الصرصري بأن طيبة طيبُها من طيبه -صلى الله عليه وسلم- ونورها من نوره صلى الله عليه وسلم وسموّها من سموّه صلى الله عليه وسلم:
طابتْ بأحمدَ طيبةٌ فأريجُها
أذكى وأطيبَ مِنْ عبيرٍ فاحا
وسمتْ بهِ أنوارُها فلقدْ غدتْ
لمنِ استضاءَ بنورِه مصباحا
إن حب طيبة يملأ الجوانح، وهو حبٌّ أودعه الله قلوب المسلمين والمسلمات تحقيقاً لدعوة الحبيب -صلى الله عليه وسلم- لها، إنـها طيبة يحلو الحديث عنها، بل يطلب المحب الزيادة.
وحَدَّثْتَني يا سعدُ عنها فزدتني
جنوناً فزدني من حديثك يا سعدُ
هواها هوىً لم يعرفِ القلبُ غيره
فليس له قبلُ وليس له بعدُ
** **
المراجع:
تاريخ المدينة لابن شبة، معجم البلدان للحموي، وفاء الوفا للسمهودي، الضوء اللامع للسخاوي، الجواهر الثمينة للكبريت، بهجة الناظرين للرفاعي، ثقافة الأديب للدكتور/ تنيضب الفايدي، خلاصة البحث العلمي لأسماء المدينة المنورة للدكتور/ تنيضب الفايدي.