مبارك بن عوض الدوسري
في زمنٍ أصبحت فيه الوعود تُقال كثيراً، ويقلّ الوفاء بها على أرض الواقع، يبرز القائد الحقيقي حين يجعل من كلمته التزاماً، ومن تعهده مشروعاً يُرى أثره قبل أن يُروى خبره، وهذا ما فعله معالي وزير التعليم رئيس مجلس إدارة جمعية الكشافة العربية السعودية الأستاذ يوسف بن عبدالله البنيان مع أبناء وبنات الكشافة السعودية المشاركين في معسكرات الخدمة العامة لخدمة ضيوف الرحمن.
ففي موسم حج 1446هـ، وقبل الانطلاقة الفعلية لأعمال المعسكرات، حضر معاليه إلى الميدان بنفسه، لا لالتقاط صورة عابرة أو أداء واجب بروتوكولي، بل ليقف على التفاصيل الدقيقة، ويستمع للقادة الكشفيين والقائدات، ويرى حجم الجهود المبذولة والتحديات التي تواجههم في سبيل تهيئة المعسكرات لاستقبال الفتية والشباب المشاركين في خدمة الحجاج ؛ ويومها تحدث معاليه بلغة القائد القريب من الميدان، ووعد بأن تكون معسكرات العام القادم أكثر جاهزية، وأكثر اكتمالاً، وأن يُوفَّر فيها كل ما يحتاجه المشاركون ليؤدوا رسالتهم السامية براحة وطمأنينة، مؤكداً أن من جاء ليخدم ضيوف الرحمن يجب أن يُهيأ له كل ما يعينه على أداء هذه المهمة العظيمة.
ومع حلول حج 1447هـ، لم يكن ذلك الحديث مجرد كلمات عابرة تُقال في لحظة حماس، بل تحول إلى واقع ملموس شاهده الجميع، وعاش تفاصيله كل من وطأت قدماه تلك المعسكرات؛ فقد جاءت المعسكرات هذا العام بصورة مختلفة تماما، وأنا الذي عايشته منذ أكثر من 40 عاماً ، من حيث الجاهزية والتنظيم والتجهيزات وجودة البيئة الميدانية، في مشهد يعكس حجم العناية والاهتمام والمتابعة المباشرة من معاليه، حتى بدا واضحاً أن ما تحقق تجاوز سقف التوقعات، وفاق ما كان يطمح إليه العاملون أنفسهم.
لقد ظهرت آثار هذا الوفاء في كل زاوية من زوايا المعسكرات؛ بيئة كشفية متكاملة، وتجهيزات حديثة، ومرافق أُعدّت بعناية، وخدمات وفرت أعلى درجات الراحة للقادة الكشفيين والقائدات والفتية والشباب، مع المحافظة في الوقت ذاته على روح المخيمات الكشفية وأصالتها التربوية؛ ولم يكن الهدف مجرد تحسين المظهر، بل صناعة بيئة آمنة ومحفزة تعزز جودة الأداء، وتنعكس إيجاباً على الخدمة المقدمة لضيوف الرحمن.
ويكتسب هذا العمل أهمية أكبر حين يأتي متوافقاً مع التوجهات العالمية للحركة الكشفية، التي جعلت الحماية من الأذى أولوية قصوى في جميع البرامج والأنشطة الكشفية، باعتبار أن توفير البيئة الآمنة مسؤولية تربوية وإنسانية قبل أن تكون إجراءً تنظيمياً ، فقد عملت المنظمة الكشفية العالمية خلال السنوات الماضية على دعم الجمعيات الكشفية الوطنية لتطبيق أفضل المعايير الدولية في سلامة الشباب، من خلال سياسات وبرامج وممارسات تهدف إلى خلق بيئة شاملة وآمنة لكل المشاركين.
كما أن إقرار المؤتمر الكشفي العالمي الـ41 في أذربيجان عام 2017م لسياسة الحماية من الأذى، واشتراط تأهيل المشاركين وتوعيتهم بمفاهيم البيئة الآمنة، جاء ليؤكد أن العمل الكشفي الحديث لا يقتصر على النشاط والمشاركة، بل يمتد إلى بناء منظومة متكاملة تحفظ الكرامة الإنسانية، وتصون سلامة المشاركين، وتمكنهم من أداء أدوارهم بثقة وأمان ؛ ومن هنا تتجلى قيمة ما تحقق في معسكرات الخدمة العامة هذا العام، حيث لم تكن التجهيزات مجرد تحسينات تشغيلية، بل خطوة نوعية تنسجم مع أفضل الممارسات الكشفية العالمية.
ولعل أجمل ما في هذا المشهد أن منسوبي الكشافة السعودية شعروا بأن هناك من يستمع لهم، ويقدّر جهودهم، ويؤمن برسالتهم، ويترجم ذلك إلى أفعال لا شعارات؛ ولهذا لم يكن مستغرباً أن تتوالى كلمات الشكر والثناء والدعوات لمعالي وزير التعليم رئيس جمعية الكشافة العربية السعودية من القادة والقائدات والفتية والشباب، بعدما لمسوا بأنفسهم حجم ما تحقق من تطوير واهتمام ورعاية.
إن القيادة التي تفي بوعدها تصنع الثقة، والقيادة التي تنزل إلى الميدان تصنع الفارق، أما القيادة التي تجمع بين الرؤية والوفاء والعمل، فهي التي تترك أثراً طويلاً في النفوس قبل المواقع؛ وما تحقق اليوم في معسكرات الخدمة العامة للكشافة السعودية في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، يؤكد أن هذا الكيان العريق مقبل على مرحلة أكثر تميزاً وتأثيراً، خاصة وهو يحظى بهذا القدر من الدعم والمتابعة والتشجيع، الأمر الذي سينعكس بلا شك على جودة العمل الكشفي، وعلى مستوى الخدمات الإنسانية التي يقدمها أبناء وبنات الوطن لضيوف الرحمن في أعظم موسم وأشرف رسالة.