فائز بن سلمان الحمدي
ليستِ الحضاراتُ - في حقيقتها العميقة - أبنيةً تُشاد، ولا طرقًا تُعبَّد، ولا أرقامًا تُرصَد في دفاتر الاقتصاد والإدارة؛ بل هي روحٌ تسري في جسد الأمة، فتمنحُ الحجرَ معنى، والزمنَ رسالة، والإنسانَ مقامًا يليقُ بخلافته في الأرض. ومن هنا يتهيَّأ للناظر البصير أن المشروع الحضاري السعودي لخدمة ضيوف الرحمن ليس مشروعًا خدميًا بالمعنى الإداري الضيق، بل هو ملحمةٌ حضاريةٌ كبرى، تتعانق فيها العقيدة بالعمران، وتأتلف فيها القداسة مع عبقرية التنظيم، حتى غدا هذا المشروع صفحةً ناصعةً من صفحات التاريخ الإسلامي الحديث.
لقد شاء الله أن تكون المملكة العربية السعودية حاضنةَ الحرمين الشريفين، ومهوى أفئدة المؤمنين، وملتقى الأرواح التي تتجرد من علائق الدنيا، فتفد إلى البيت العتيق شعثًا غبرًا، لا يحدوها إلا الشوقُ إلى الله، ولا يحملها إلا نداءُ الإيمان العتيق: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ).
ومنذ أن تشرَّفت هذه البلاد بحمل لواء الخدمة للحرمين، أدركت أن القضية ليست إدارةَ موسمٍ بشريٍّ عابر، بل رعايةُ شعيرةٍ كونيةٍ تتصل بضمير الأمة الإسلامية كلها. ومن ثمَّ لم يكن العمل في هذا المضمار محضَ تدبيرٍ إداري، وإنما كان نوعًا من التعبُّد الجماعي الذي تسخَّر له الطاقات، وتستنفر له العقول، وتُبذل في سبيله خزائن الأرض وخبرات الإنسان.
إن المتأمل في المشهد الحرامي اليوم ليكاد يوقن أنه أمام معجزةٍ تنظيميةٍ تستعصي على الوصف. ملايين البشر تتدفق من أقطار الأرض على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وثقافاتهم، ثم يتحركون في نسقٍ يكاد يشبه انسياب الأفلاك في مداراتها؛ لا تضطرب الجموع رغم كثافتها، ولا تتعثر الحركة رغم زحامها، ولا يغيب الأمن رغم هذا الحشد الإنساني المهيب. وذلك كلُّه ثمرةُ عقلٍ حضاريٍّ أدرك أن خدمة الحاج ليست رفاهيةً تنظيمية، بل واجبٌ شرعيٌّ ورسالةٌ تاريخية. ولئن كانت الأممُ تفاخر بما تُحسنُ بناءه من قصورٍ ومدائن، فإن المملكة تفاخر بأنها تبني الطمأنينة في قلوب الملايين. هنا لا يشعر الحاج أنه رقمٌ في طابورٍ بشري، بل ضيفٌ مكرَّم، تحيطه الرعاية من لحظة قدومه حتى ساعة رحيله. كلُّ شيءٍ في هذا المشروع يوحي بأن الإنسان هو محور العناية؛ الماءُ البارد في قيظ المشاعر، والطرقُ المهيَّأة لضعفاء الأجساد، والخدماتُ الصحية التي تسابق الخطر قبل وقوعه، والأنظمةُ الذكية التي ترصد الحركة وتمنع الفوضى قبل نشأتها؛ حتى غدا الحجُّ في صورته السعودية المعاصرة شاهدًا على إمكان التقاء الروحانية العظمى بأعلى درجات الكفاءة المدنية. ثم إن أعجب ما في هذا المشروع أنه لم يقع أسيرَ الثنائية المألوفة بين الأصالة والتحديث؛ إذ استطاعت المملكة أن تُدخل التقنية إلى قلب المشهد التعبدي دون أن تجرِّد المكان من رهبة القداسة وجلال التاريخ. فها هي أنظمة الذكاء الاصطناعي، وإدارة الحشود الرقمية، ووسائل النقل الفائقة، والمنصات الإلكترونية المتطورة، تعمل كلُّها في صمتٍ مهيب، كأنها جنودٌ خفيَّة سخِّرت لتعين العابد على خشوعه، لا لتصرفه عن معناه الروحي العميق. وهنا تتجلَّى فرادة المشروع السعودي؛ لأنه لم يجعل الحضارة المادية غايةً مستقلة، بل جعلها خادمةً للمقصد الأعلى: تعظيم شعائر الله.. فالعمران هنا ليس ترفًا بصريًا، وإنما ضرورةٌ شرعية لتمكين الملايين من أداء النسك بيسرٍ وأمان. والتقنية ليست استعراضًا حداثيًا، بل أداةٌ لتخفيف المشقة عن الشيخ الكبير، والمرأة الضعيفة، والمريض الذي جاء يحمل قلبًا متعبًا ورجاءً عظيمًا. وإذا كانت بعضُ الحضارات تُشيِّد مجدها على فائض القوة، فإن هذا المشروع شُيِّد على فائض الإخلاص. إذ لا يمكن لعاقلٍ أن يتصور أن إدارة هذا الحشد الإنساني الهائل أمرٌ تُنتجه البيروقراطية وحدها؛ بل وراءه روحٌ مؤمنة تستشعر قداسة المهمة، وتدرك أنهاتخدم وفود الرحمن قبل أن تخدم ضيوف دولةٍ أو رعايا أرض. ولهذا لم يكن المشروع الحضاري السعودي حدثًا موسميًا طارئًا، بل مسيرةً متصلة من التراكم والبناء والتطوير. كلُّ عامٍ يشهد توسعةً أو ابتكارًا أو معالجةً لتحدٍّ جديد، وكأن الدولة دخلت في عهدٍ مع نفسها أن تبقى في حالة ارتقاء دائم، لأن خدمة الحرمين لا تعرف الاكتفاء، ولأن الكمال في هذا الميدان غايةٌ تُطلب ولا تُدرك. ومن أمعن النظر في هذا المشروع أدرك أنه لا يخدم الحجاج وحدهم، بل يخدم صورة الإسلام ذاتها في الوعي العالمي. فحين يرى المسلم القادم من أقاصي آسيا أو إفريقيا أو أوروبا هذا المستوى من الرعاية والكرامة والتنظيم، يعود إلى بلاده وهو يحمل في ذاكرته صورةً حية عن أمةٍ ما زالت قادرة على الجمع بين الإيمان والقوة، وبين الروح والعقل، وبين الوفاء للمقدس والإبداع في إدارة الواقع.
إن المشروع الحضاري السعودي لخدمة ضيوف الرحمن ليس مجرد بنيةٍ تحتيةٍ عملاقة، ولا سلسلةَ مبادراتٍ إداريةٍ متعاقبة؛ بل هو إعلانٌ تاريخيٌّ متجدد أن هذه البلاد اختارت أن تجعل من خدمة القبلة رسالةَ وجود، ومن إكرام الحاج شرفًا سياديًا وأخلاقيًا وروحيًا.
وسيظل هذا المشروع -ما بقيت الكعبة قبلةً للمسلمين- شاهدًا على أن الأمم العظيمة ليست تلك التي تُدهش العالم بصخب القوة وحده، بل تلك التي تُسخِّر قوتها لصناعة الرحمة، وتُجنِّد عمرانها لخدمة الإيمان، وتكتب مجدها لا على جدران القصور، بل في دعوات الملايين التي ترتفع من حول البيت العتيق، خاشعةً دامعةً، تلهجُ بالدعاء لمن جعل خدمة الحرمين عقيدةَ دولةٍ ورسالةَ تاريخ.