«الجزيرة» - قسم التحقيقات:
بين الورق والحبر.. والشغف والعناء.. تمتد حكاية رجل لم يتعامل مع الإعلام بوصفه مهنة عابرة، بل رسالة عاشها بكل ما يملك من صحف الحائط في أقصى الشمال.. إلى الصحافة الورقية.. ثم الإذاعة والفضائيات والمنابر العربية
رحلة طويلة.. تتنقل محمولة على عشقٍ قديم للكلمة.. وإيمانٍ عميقٍ بصورة الوطن.. ورسالة القلم.
د. صالح الشادي.. سيرة إعلامية وثقافية استثنائية.. صنعت مشروعها بجهد فردي.. وخاضت معاركها بالشغف.. وظل الوطن فيها العنوان الأكبر.. والحبرُ آخر ما ينفد.
لم يحمل مؤسسة خلفه.. ولا ميزانيات ضخمة.. ولا فريقاً يُعبّد له الطريق...كان يحمل حُلماً فقط.. وقلباً يؤمن بالكلمة.
في هذا الحوار.. لا نتتبع مسيرة إعلامية.. بل نصغي إلى حكاية رجل آمن بأن الوطن رسالة تُكتب.. حكاية شغفٍ طويل.. خاضه الحبر.. وأتعبته التجارب.. لكنه ظل مؤمناً بأن الوطن يستحق أن يُروى..
هناك رجالٌ لا يمرون على الصحافة.. بل تمر الصحافة عبر أعمارهم .. د. صالح الشادي أحدهم.
* بدأنا نقرأ مسيرتك الصحفية منذ بداية الثمانينيات، فحدثنا عن تلك البدايات الأولى. كيف كانت العلاقة بالقلم في بدايتها؟
- كانت البدايات متواضعة لكنها محفوفة بشغف لم يخب يوماً. كنت في أواخر السبعينيات تلميذاً في مدارس القريات، نقرأ ونستقي المعرفة، ثم نعلّق ما نتعلمه على الجدران في صحف الحائط. كنا نخط بأيدينا الصغيرة أحلاماً أكبر منا، دون أن ندرك أن ذلك كان أول وميض لشعلة ستظل تحرق السنين المقبلة بحب الكتابة.
* متى انتقلت من صحف الحائط إلى النشر الحقيقي؟
- في المرحلة الثانوية، تعلّقت بنشر الشعر، وأتذكر كانت مجلة «اليمامة» مع الشاعر راشد بن جعيثن، ومجلة «النهضة»، وصحيفة «الجزيرة» مع الأستاذ الثميري رحمه الله، و«الجزيرة المسائية» مع الأستاذ الزازان، هي نوافذي الأولى إلى عالم النشر شعرياً. لكن التحول الحقيقي إلى الكتابة الجادة كان عبر صحيفة «الجزيرة» نفسها، حيث بدأت رحلتي مع المقال في صفحة «عزيزتي الجزيرة» مطلع الثمانينيات.
* كيف كانت الأجواء في تلك الفترة؟
- ما زلت أذكر الكثير من عناوين مقالاتي في تلك الفترة، وسط انشغالي بدراستي الجامعية في جدة، وأنا انتقل بين القاعات وغرفتي وطاولتي الصغيرة، أكتب ما يجيش في صدري بلا توانٍ.
* بعد الجامعة، تنقلت بين منابر إعلامية عديدة. حدثنا عن هذه المرحلة؟
- تنوّعت رحلة القلم بين مضامين مختلفة، وصحف ومجلات متعددة، أذكر منها: «الشرق الأوسط»، «الرياض»، «عكاظ»، «الاقتصادية»، «الرياضية»، «اقرأ»، «اليقظة»، «المختلف»، «مشاعر»، و»فواصل». كتبت عشرات المقالات والأعمدة لسنوات، تحولت لاحقاً إلى مجموعة من الكتب، كانت تعبيراً عن واقع عاطفي واجتماعي وطني.
* صف لي طبيعة علاقتك بالكتابة في تلك الفترة. أكنت محترفاً أم متفرغاً؟
- لم أكن محترفاً ولا منتظماً، بل متعاوناً ومزاجياً في الغالب ولا زلت؛ أكتب حين يحلو لي، وحين يفيض القلب أو الفكر فلا يملك إلا أن يفرغ ما فيه على الورق.
* كان لك مساهمة في نشر الشعر الشعبي عبر مجلات عربية. كيف جاءت هذه المبادرة؟
- في مرحلة اهتمامي بالشعر، أسستُ في مجلة «سيداتي ساداتي» صفحاتٍ للشعر مع السيدة هالة سرحان، لنشر ثقافة الشعر المحلي السعودي عربياً. ولا أنسى مجلة ميلاد التي تأسست بمبادرة ودعم من صديقي الأمير فواز بن ناصر الفرحان ومشاركة الزميل محمد النفيعي رحمه الله والتي لم يكتمل مشوارها بتقصير مني.. كما أسستُ صفحات «الباب» الشعرية في مجلة «اقرأ» مع القدير محمد صادق ذياب رحمه الله، والجميل عبد الله قينان. كان ذلك في منتصف التسعينيات تقريبا.
* وما كان رد فعل القراء؟
- كانت المفاجأة أن مبيعات المجلة قفزت إلى الضعف في تلك الفترة، دليلاً على أن للكلمة الجيدة جمهورها، وأن الشعر كان ولا يزال نبضاً ذا خفق.
* أواخر التسعينيات سافرت للدراسة خارج المملكة لاستكمال الماستر والدكتوراه. إلى الاردن تحديدا ما التخصص وكيف أثّر الغياب على نظرتك للإعلام؟
- لم أغب عن الصحافة والنشر خلال سفري. تخصصت في دراسة فلسفة التاريخ الحديث في الجامعة الاردنية وكانت رسائلي حول التراث والعادات والتقاليد والفنون في المملكة العربية السعودية تلك الكنوز التي كانت تحتاج إلى بحث وإشهار، وكنت خلال فترة الدراسة أتابع ساحة الوطن شعرياً وفكرياً واجتماعياً، وأكتب المقال الأسبوعي وأنشره في بعض المطبوعات إلى جانب كتابة الأعمال الوطنية التي كنت أحرص أن أشارك بها في جل المناسبات في المملكة. لكني لاحظت خلال إقامتي غياب الصورة الحقيقية المشرقة الجميلة عن المجتمع السعودي وعن حضارته العميقة الأصيلة في إعلام المحيط والجوار العربي. كانت الصور النمطية والتبسيطات الخاطئة هي المسيطرة. إلى جانب ملاحظات أخرى لا متسع لذكرها هنا.
* وماذا قررت أن تفعل حيال ذلك؟
- قررت أن أرجئ عودتي إلى الوطن وأن أخوض في معترك الإعلام وذلك بعد حصولي على الدكتوراه عام 2005 وأن انطلق بخوض أعمق في عالم الصحافة، ليس كاتباً فقط بل ناشراً وسفيرا يمثل بلاده. كان الهدف الأسمى هو إبراز صورة المملكة كياناً وحضارة، وتقديم ذلك الصوت السعودي الحقيقي إلى العالم العربي. وأذكر أنني تشرفت بلقاء جلالة الملك عبدالله عاهل الأردن الذي زرته في مكتبه وتحدثت معه بشأن رغبتي بالاستثمار إعلاميا.. وقد أسعدني جلالته بإيجابياته وترحيبه.
* كيف تحقق ذلك عملياً؟
- أسستُ بمبادرة ذاتية «دار المصدر الدولية للنشر». كانت بتصريح دولي بريطاني ومقرها عمان.. وكان من إصداراتها: صحيفة «المصدر» السياسية، وصحيفة «أقمار» العائلية، وصحيفة «الطبية». عنيت هذه الصحف بكل جديد يخص المحتوى السعودي سياسيا واجتماعيا وعلميا، وتقديمه إلى القارئ العربي في الأردن ولبنان ومصر وباريس ولندن. كنا نحرر في الدار ونطبع في مطابع الدستور الأردنية ونتعاون مع عدة شركات دولية للتوزيع والشحن. إلى جانب هذا حرصت على إقامة أمسيتين في كل أسبوع في مقر سكني واحدة كانت تجمع نخبا من الوزراء والسفراء ورجال العلم والأعمال والأخرى كانت للإعلاميين والمثقفين وأهل الشعر والأدب من الجاليات العربية وغيرها. وقد حرصت أن يكون المضمون السعودي حضارة وفكرا هو الملمح الأبرز في كل نقاش وأمسية. والجميل في الأمر كان مشاركة العديد من الأحبة من الرموز السعوديين. من فنانين وشعراء ومفكرين وسفراء وإعلاميين وأساتذة جامعات مع رموز عربية في تلك اللقاءات.. أذكر على سبيل المثال محمد عبده. الذي دعوته عام 2001 لإقامة حفل هناك تكفلت به كاملا لخلق حراك وتواجد فني سعودي. إلى جانب شخصيات أخرى.. عبادي الجوهر. الشاعر محمد الثبيتي. وغيرهم الكثير. وقد استمرت تلك الأماسي الأسبوعية لأكثر من عقد من الزمان.. وأدت غرضها بشكل جيد كما أعتقد.
* ذكرت إنشاء الصحف.. من هم الذين عملوا معك في هذه الصحف؟
- استعنتُ بمخرجين متميزين كالمبدع اللبناني نزيه قرق الذي عمل مخرجا في صحيفة «عكاظ» سنوات، واستضفتهم للإقامة حيث أقيم، إضافة إلى تكوين شبكة من الأصدقاء الصحفيين في عدة عواصم عربية إلى جانب فريق تحرير ومطبخ صحفي مدرب متكامل. وكان التركيز دوماً على الشأن السعودي، على تلك الصورة الحقيقية التي أردتها أن تصل.
* ماذا عن تمويل مشروعك الإعلامي؟
- لم يكن الطريق ممهداً، فالمشاريع الكبيرة تحتاج إلى تضحيات أكبر. هنا، لم أتردد في بيع منزلي وجل ما أملك من عقار وغيره في المملكة، رغم عتب بعض الأقرباء والأحباء من أسرتي، لأضع كل ما أملك في مشروعي الإعلامي. لأن ما يجول في خاطري من رسالة كان أغلى من أي جدار يُسكنني. كنت أعرف أن المال يأتي ويذهب، لكن الفرصة لتقديم صورة مشرقة لوطني قد لا تتكرر.
* متى تم إدخال هذه الصحف إلى المملكة؟
- جاء التحول الحقيقي لمسار هذه الصحف بعد عدة أشهر من الانطلاق حين التقيت معالي وزير الإعلام الدكتور عبد العزيز خوجة ذلك الحين في بدايات الألفية الثالثة في مكتبه، وتقدمت بطلب لطباعتها ونشرها بالمملكة. وبالفعل تم ذلك.
* كيف كانت آلية التوزيع والطباعة داخل المملكة؟
- أتذكر تعاوننا مع الشركة الوطنية للتوزيع، والشركة السعودية، والطباعة في شركة المدينة المنورة للطباعة. ولا أنسى جهود الأصدقاء في الشركة السعودية للأبحاث والنشر لتسهيل مهمتنا، وكان منهم معالي الأستاذ عزام الدخيل الذي حثني على التوجه إلى النشر الإلكتروني الذي كان قد بدأ في الظهور والانتشار عالميا، ولا أنسى أيضاً الأستاذ عبد الوهاب الفايز الذي أيّد ذلك التوجه.