هدى المطيري
حين يُطرح الحديث عن التنمية وجودة الحياة داخل المملكة، تتجه الأنظار غالبًا نحو المدن الكبرى بما تملكه من مشاريع ضخمة وواجهات حضرية متسارعة، وكأن المحافظات الأخرى خُلقت لتبقى مجرد أسماء على لوحات الطرق الطويلة، أو محطات عابرة يتوقف عندها المسافر قليلًا ثم يمضي دون أن يلتفت إلى ما تختزنه من إمكانيات وفرص وأحلام مؤجلة، مع أن الحقيقة التي تكشفها التحولات الكبرى في المملكة اليوم تؤكد أن التنمية الحديثة لم تعد حكرًا على مدينة دون أخرى، ولا على منطقة بعينها، وإنما أصبحت مشروعًا وطنيًا واسعًا يقوم على إعادة اكتشاف المكان السعودي كله، وإعادة قراءة المحافظات بعين مختلفة ترى ما يمكن أن تكون عليه لا ما تبدو عليه الآن.
وعفيف واحدة من تلك المحافظات التي ظُلمت طويلًا بنظرة تختصرها في فكرة الطريق العابر، رغم أنها تحمل من المقومات ما يجعلها مؤهلة لأن تتحول إلى مركز تنموي واستثماري مهم، فهي ليست مجرد مساحة جغرافية تقع بين المدن، وإنما محافظة تمتلك موقعًا استراتيجيًا في قلب المملكة، وتاريخًا يرتبط بمراحل مفصلية من تاريخ الوطن، ومساحات واسعة قادرة على احتضان مشاريع كبرى، فضلًا عن كونها نقطة ربط حيوية بين عدد من أهم مناطق السعودية، الأمر الذي جعل الملك فيصل -رحمه الله- يطلق عليها لقب الميناء البري، وهو وصف لم يأتِ من فراغ، وإنما من إدراك مبكر لقيمة هذا الموقع الحيوي الذي ظل لعقود طويلة معبرًا مهمًا بين الرياض والحجاز ومناطق المملكة المختلفة.
وحين يُستحضر تاريخ عفيف، فإن الذاكرة الوطنية لا تتجاوز تلك اللحظة الرمزية المهمة في الرابع من أكتوبر عام 1945م، عندما هبطت فيها طائرة دوغلاس دي سي-3 داكوتا التي أقلّت الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود -رحمه الله- في أول رحلة داخلية له داخل المملكة، وبرفقته الملك فهد بن عبدالعزيز والأمير بندر، في مشهد تاريخي لم يكن مجرد حدث عابر في سجل الطيران السعودي، وإنما إشارة مبكرة إلى أهمية هذا المكان وحضوره داخل الجغرافيا الوطنية للمملكة.
ومع كل هذه المقومات، لا يزال البعض ينظر إلى عفيف بعين الحاضر الضيق، وكأن قيمة المدن تُقاس بما تملكه الآن من مظاهر عمرانية وترفيهية، مع أن المدن الكبرى نفسها لم تولد مكتملة، ولم تصبح وجهات اقتصادية وسياحية في ليلة واحدة، وإنما بدأت بفكرة صغيرة، ثم بحلم، ثم بأشخاص امتلكوا الجرأة الكافية ليقولوا إن هذا المكان يستحق أكثر مما هو عليه.
ومن هذه الفكرة تحديدًا خرج الحديث عن بوليفارد عفيف، ليس بوصفه مشروعًا تجاريًا عابرًا يضيف مجموعة محلات أو مطاعم إلى المحافظة فحسب، وإنما باعتباره محاولة لصناعة هوية جديدة للمكان، وصناعة ذاكرة حديثة يشعر معها الأهالي أن محافظتهم قادرة على أن تعيش إيقاع العصر بكل تفاصيله، وأن جودة الحياة ليست مفهومًا يُمنح للمدن الكبرى، وإنما حق طبيعي لكل إنسان يعيش على هذه الأرض.
ففكرة وجود سينما حديثة، وكافيهات تحمل روحًا عصرية، ومطاعم متنوعة، ومركز تسوق متكامل، وممرات للمشي، وحدائق مفتوحة، ومساحات للفعاليات والأنشطة الاجتماعية، ليست ترفًا كما قد يظن البعض، وإنما جزء من التحول الكبير الذي تعيشه المملكة اليوم، ذلك التحول الذي أعاد تعريف العلاقة بين الإنسان ومدينته، وبين المواطن والمكان الذي يعيش فيه، فالإنسان لا يبحث عن الخدمات الأساسية والطرق والمباني فقط، وإنما يبحث أيضًا عن الأماكن التي تمنحه شعور الحياة، وتصنع له ذكرياته، وتجعله يشعر بأن محافظته تواكب الزمن بدل أن تبقى واقفة خارجه.
ولعل اللافت في الأيام الماضية أن فكرة بوليفارد عفيف لم تواجه أصوات التشكيك المعتادة التي تسبق أي مشروع جديد، وإنما وجدت أيضًا تفاعلًا واسعًا من الأهالي الذين أبدوا رغبتهم الحقيقية في رؤية مشاريع حديثة داخل محافظتهم، وكأن المجتمع نفسه كان ينتظر من يفتح باب الحلم للنقاش؛ لأن كثيرًا من الأفكار لا تموت بسبب استحالتها، وإنما تموت بسبب الخوف من طرحها أصلًا.
والدولة -حفظها الله- لم تقصر يومًا في دعم التنمية داخل المحافظات، وما تشهده المملكة اليوم من مشاريع عملاقة وتوسع في مفهوم جودة الحياة والاستثمار والسياحة يؤكد أن رؤية السعودية 2030 لم تُبنَ على فكرة مركزية المدن الكبرى، وإنما على إعادة توزيع الفرص وخلق بيئات تنموية جديدة في مختلف مناطق المملكة، وهو ما يجعل الحديث عن مشروع نوعي في محافظة مثل عفيف أمرًا منسجمًا تمامًا مع روح هذه الرؤية الطموحة التي أعادت تشكيل ملامح المكان السعودي كله.
ولذلك فإن التقليل من عفيف أو السخرية من إمكانية تطورها لا يكشف ضعف المحافظة بقدر ما يكشف محدودية النظرة التي ترى الحاضر فقط، لأن المستثمر الحقيقي لا يقرأ ما هو قائم فحسب، وإنما يقرأ ما يمكن أن يكون، ويدرك أن بعض الأماكن تخفي قيمتها الحقيقية لسنوات طويلة حتى يأتي من يمتلك الشجاعة الكافية لاكتشافها.
وربما لا يولد بوليفارد عفيف غدًا، وربما تحتاج الفكرة إلى وقت أطول حتى تتحول إلى واقع ملموس، لكن المؤكد أن المدن لا تتغير دفعة واحدة، وإنما تبدأ دائمًا بفكرة صغيرة، ثم بحلم يتكرر في أحاديث الناس، ثم بإيمان حقيقي بأن هذه المحافظة تستحق أن تعيش الحياة بكل تفاصيلها الحديثة لا بوصفها محطة عابرة على الطريق، وإنما مكانًا يليق بأهله وتاريخه ومستقبله.
فالمحافظات لا تُبنى بالتشكيك والإحباط، وإنما تُبنى بالطموح، والاستثمار، والإيمان بالمكان، والقدرة على رؤية المستقبل قبل أن يراه الجميع.
دمتِ يا عفيف، أرضًا تختزن التاريخ، ومحافظة تحمل في داخلها فرصًا كبيرة لم تُكتشف بعد، ومكانًا يستحق أن يُرى بالمكانة التي تليق به وبأهله.