د. عبدالمحسن الرحيمي
في كل صباح عيد تقريبًا، تستيقظ الهواتف قبل أصحابها، وتمتلئ الشاشات سريعًا بالمعايدات؛ أسماء مألوفة تمر تباعًا، قريب لم تسمح الأيام بلقائه منذ أشهر، وصديق ابتعدت به المدن، وزميل قديم يعبر بكلمات قصيرة تحمل دعاءً أو مودة أو ذكرى خفيفة. وفي خضم هذا التدفق الهادئ للتهاني، يتسلل شعور مألوف بأن شيئًا من الألفة ما زال قائمًا، وأن العلاقات، مهما باعدت بينها المسافات والانشغالات، قادرة على أن تجد طريقها إلينا ولو عبر رسالة صغيرة تصل في وقتها، فتوقظ في النفس إحساسًا قديمًا بأن الناس، رغم كل ما تغيّر، ما زالوا يتذكرون بعضهم.
غير أن سؤالًا هادئًا يمر أحيانًا خلف هذا المشهد المألوف؛ فمع كل هذا التدفق من التهاني، وكل هذا الحضور الرقمي الكثيف، هل بقي العيد محتفظًا بالمعنى ذاته الذي عرفته الذاكرة الاجتماعية طويلًا، أم أن شيئًا من دفء اللقاء بدأ يتراجع بصمت؟ فالكلمات الطيبة، مهما حملت من صدق، لا تختصر وحدها معنى القرب، والتهنئة، مهما كانت جميلة، لا تُغني دائمًا عن ذلك الشعور البسيط حين يطرق الباب قريب جاء دون كثير ترتيب، أو يجلس صديق لبعض الوقت، أو يمر أحدهم سريعًا فقط ليقول بحضوره ما لا تستطيع العبارات المختصرة أن تقوله كاملة.
فالذاكرة الاجتماعية للعيد في المجتمعات الإسلامية لم تنظر إليه يومًا بوصفه مناسبة عابرة، ولا فسحة قصيرة بين التزامات الحياة، بل زمنًا تُستعاد فيه العلاقات، وتُرمم فيه المسافات التي صنعتها الانشغالات، ويعود الناس خلاله إلى دوائر الألفة التي تمنح الحياة شيئًا من اتزانها. ولهذا لم يكن صباح العيد يبدأ عادةً بما يصل إلى المرء بقدر ما يبدأ بمن يصل إليه؛ فالبيوت كانت تعرف وقع الخطوات قبل أن ترى أصحابها، وتتهيأ المجالس لوجوه تحفظها الذاكرة أكثر مما تحفظ العبارات، وكانت الزيارة، مهما قصرت، تحمل معنى يتجاوز دقائقها، لأن حضور الشخص نفسه كان جزءًا من التهنئة، وكان الوقت الذي يُقتطع للزيارة يقول بصمت إن العلاقة ما زالت تستحق شيئًا من الجهد والانتباه.
فالأب الذي يجلس صباح العيد منتظرًا أبناءه لا ينتظر كلمات التهنئة وحدها، بل ينتظر وجوهًا يعرف كيف غيّرتها السنوات، ويقارن بصمت بين طفل كان يركض في أرجاء المنزل ورجل يجلس أمامه اليوم، والأم التي تُعد القهوة والحلوى منذ الصباح لا تفعل ذلك استجابة لعادة اجتماعية فحسب، بل لأنها تدرك، بفطرتها البسيطة، أن البيوت لا تمتلئ بالأثاث ولا بالأصوات وحدها، وإنما بمن يدخلونها حاملين شيئًا من دفء القرب، وبذلك الشعور الذي يجعل المكان أكثر حياة حين يجتمع فيه الذين نحبهم.
ولهذا كانت المسافة، في كثير من الأحيان، جزءًا من معنى العيد نفسه؛ فليس الطريق مجرد وسيلة للوصول، بل صورة خفية من صور الاهتمام، ورسالة صامتة تقول إن المودة ما زالت تستحق وقتًا يُمنح، وإن اللقاء، مهما قصر، يظل أصدق من استعجال الحياة. وحتى الزيارة السريعة، أو المرور العابر، كان يترك أثرًا يتجاوز زمنه القصير، لأن الذاكرة لا تحتفظ دائمًا بما قيل، بقدر ما تحتفظ بمن جاء، وجلس، وسأل، ومنح شيئًا أصبح نادرًا في عالم سريع الإيقاع: الانتباه.
ولا ينبغي أن يُقرأ هذا التحول بوصفه خصومة مع التكنولوجيا أو حنينًا غاضبًا إلى زمن مضى؛ فالعالم تغيّر، وإيقاع الحياة أصبح أكثر سرعة وتعقيدًا، وكثير من العلاقات ما كان لها أن تبقى أصلًا لولا هذه الوسائط التي قرّبت البعيد، وأبقت الأهل والأصدقاء متصلين رغم اختلاف المدن والقارات، وكم من جدٍّ بات يرى أحفاده عبر شاشة بعدما كان الغياب قديمًا يعني انقطاعًا طويلًا وصمتًا قاسيًا.
غير أن المسألة لا تتعلق بالرسالة في ذاتها بقدر ما تتعلق باللحظة التي تصبح فيها الرسالة بديلًا كافيًا عن الحضور؛ إذ يبقى الفرق كبيرًا بين كلمات تصل بما تحمله من مودة، وبين شخص يصل بما يحمله من وقت وانتباه وتلك التفاصيل الصغيرة التي لا تنقلها الشاشات بسهولة؛ نظرة تلتقط تعبًا حاول صاحبه إخفاءه، أو مصافحة تطول قليلًا، أو سؤال يأتي من اهتمام حقيقي لا من واجب عابر، أو صمت مريح بين أشخاص لا يحتاجون إلى كثير حديث كي يشعروا بالقرب.
ولهذا قد يبدو العيد، في بعض البيوت، أكثر امتلاءً بالرسائل وأقل امتلاءً بالناس؛ تزدحم الهواتف بينما يبقى في المكان فراغ صغير لا تملؤه الكلمات، ويظل كرسي خالٍ أكثر مما ينبغي، أو باب لم يُطرق كما اعتادت الذاكرة أن يحدث، أو أب وأم يقرآن المودة في الرسائل لكنهما يظلان ينتظران، في مكان ما من القلب، وجهًا يدخل قبل أن ينشغل اليوم بتفاصيله.
وليس المقصود من هذا أن تُستبدل الرسائل بالزيارات دائمًا، أو أن يتحول الأمر إلى مقارنة أخلاقية بين زمنين مختلفين؛ فالحياة تغيّرت، والناس يحملون اليوم أعباء ومسافات وظروفًا لم تكن مألوفة من قبل، لكن شيئًا واحدًا لا يبدو أنه تغيّر كثيرًا: حاجة البشر القديمة إلى أن يشعروا بأنهم مقصودون، وأن أحدًا وجد، وسط ازدحام الحياة، وقتًا ليجيء لا ليكتب فقط، وأن المودة، مهما تبدلت وسائل التعبير عنها، ما زالت تحتاج أحيانًا إلى حضور يُرى، لا إلى كلمات تُقرأ فحسب.
وربما لا يُقاس العيد، في نهاية الأمر، بعدد الرسائل التي امتلأت بها الهواتف، بقدر ما يُقاس بذلك الشعور الهادئ حين يجد المرء، وسط زحام الأيام، أن أحدًا ما زال يرى في حضوره ما يستحق الطريق، وفي اللقاء ما لا تختصره الرسائل.