عبد الله سليمان الطليان
تقوم الثقافة، بمفهومها الواسع، على الإرث الحضاري والإنساني الذي تتوارثه المجتمعات والأمم عبر الأجيال، فهي ليست مجرد معلومات عابرة أو معارف سطحية، بل منظومة متكاملة تُسهم في بناء وعي الإنسان وصياغة فكره وسلوكه.
أما على مستوى الفرد، فإن الثقافة الحقيقية تتمثل في حصيلة التعليم العميق، مقرونة بالاطلاع المستمر على الأدب والتاريخ والفلسفة واللغات، وهي العناصر التي تصنع شخصية الإنسان وتحدد طبيعة علاقته بمجتمعه وواقعه، بل وقد تجعله مرجعًا مميزًا في أحد تلك المجالات.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ما زال هذا المفهوم حاضرًا في واقعنا المعاصر، وخصوصًا فيما يتعلق بالفرد؟
للأسف، تبدو الصورة مختلفة إلى حد بعيد. فمع سطوة الإعلام وهيمنة مظاهر الشهرة والظهور، تبدلت الكثير من المفاهيم الراسخة، وأصبحت كلمة “مثقف” تُمنح بسخاء ودون مراعاة لمعناها الحقيقي.
بل إن هذا اللقب بات يُستخدم أحيانًا بصورة مبتذلة تدعو إلى الدهشة وربما السخرية، حين يُطلق على أشخاص لا يمتلكون الحد الأدنى من المقومات الفكرية والثقافية التي تؤهلهم لحمله.
ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك ما نشاهده في بعض المنصات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث يتم تقديم بعض الشخصيات بوصفها رموزًا ثقافية لمجرد كثرة ظهورها الإعلامي أو امتلاكها أعدادًا كبيرة من المتابعين، رغم أن طرحها يفتقر إلى العمق المعرفي والتحليل الحقيقي.
فكثير من الحوارات والبرامج أصبحت تعتمد على الإثارة وحب الظهور أكثر من اعتمادها على الفكر والمعرفة، حتى باتت الثقافة في نظر البعض مجرد وسيلة للشهرة أو بوابة للوجاهة الاجتماعية.
وفي أحيان كثيرة، تكفي علاقة اجتماعية أو ارتباط عائلي، وخصوصًا في الوسط الإعلامي والصحفي، لكي يُمنح شخص ما صفة “المثقف”، رغم أن أفكاره ما تزال أسيرة العقلية التقليدية الضيقة التي تبحث عن التصفيق والانتشار أكثر من بحثها عن الحقيقة والإبداع. وهكذا تحولت الثقافة لدى البعض إلى مظهر خارجي يتم استعراضه في المناسبات واللقاءات العامة، عبر مقالات تُكتب بعقول مستأجرة أو عبارات منمقة تخلو من أي قيمة فكرية حقيقية، بينما يشعر صاحبها بالزهو والفخر وكأنه حقق إنجازًا معرفيًا كبيرًا.
كما أن ظاهرة التفاخر بالألقاب العلمية تُعد مثالًا آخر على هذا الخلل الثقافي.
فقد شهدنا خلال فترات سابقة سعيًا محمومًا للحصول على الشهادات والألقاب، وخاصة لقب “الدكتور”، لا من أجل البحث العلمي أو الإسهام المعرفي، بل بوصفه وسيلة للوجاهة الاجتماعية والمكانة الشكلية.
حتى أصبح ذلك اللقب في بعض الحالات إطارًا فاخرًا يخفي خلفه فراغًا فكريًا واضحًا. ورغم أن هذه الظاهرة تراجعت نسبيًا مع تطور وسائل الاتصال وسهولة الوصول إلى المعلومات وارتفاع مستوى الوعي المجتمعي، إلا أنها لم تختفِ بصورة كاملة.
وفي المقابل، هناك نماذج حقيقية لمثقفين وأدباء وباحثين يعملون بصمت بعيدًا عن الأضواء، يثرون الساحة الفكرية والعلمية بإنتاجهم وإبداعهم، لكنهم لا يحظون بالاهتمام ذاته لأنهم لا يجيدون صناعة الضجيج الإعلامي أو تسويق أسمائهم كما يفعل غيرهم.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة؛ إذ أصبح الحضور الإعلامي لدى البعض أهم من الحضور الفكري الحقيقي.
إن الحاجة اليوم أصبحت ملحة لإعادة الاعتبار إلى الثقافة الحقيقية، ونزع تلك الثقافة القشرية الهشة التي تروج لها بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل. فالثقافة ليست ادعاءً ولا استعراضًا، وإنما وعي وإبداع وإنتاج فكري صادق.
والمطلوب هو تسليط الضوء على العقول المستنيرة والطاقات المبدعة التي تبحث عن المعرفة والإبداع بصورة مستمرة، بعيدًا عن تمجيد الذات وصناعة الألقاب الوهمية، لأن الأمم لا تُبنى بالمظاهر، بل تُبنى بالفكر الحقيقي والوعي العميق.