محمد بن عبدالله العمري
في إحدى أمسيات الصيف الماضي من هذا العام 2029م (أكرر هذا العام 2029م)، تلقيت اتصالاً من أصدقاء خمسة لرحلة خاصة إلى (الأحساء لمدة ليلتين للسياحة)، ثم إلى (النماص لمناسبة زواج لصديق هناك) والعودة لجدة في اليوم الرابع للدوامات والارتباطات.
أبديت صعوبة في ترتيب (رحلة تُغطي الموقعين خلال 3 أيام والعودة صباح اليوم الرابع!) كون هذه في المنطقة الشرقية وتلك في الجنوبية، ولكن تواصلت مع شركات الطيران الوطنية (الرياض، السعودية، ناس، أديل) وحاولوا الحجز ولكن لم يتم النجاح في ذلك كونه يتطلب السفر من مطار جدة إلى مطار الهفوف وقضاء يومين، ثم نغادر من الهفوف لمطار الرياض وتغيير الرحلة إلى مطار أبها أو مطار بيشة ومنها بالسيارات للنماص (لمسافة بأكثر من 150 كم)؛ وذلك لعدم وجود رحلات من الهفوف مباشرة لمطار أبها أو مطار بيشة.
مما جعلني أتواصل مع إحدى شركات الطيران الاقتصادية وتنظيم الرحلات السياحية فتفاجأت بإمكانية ذلك، حيث عرضوا إمكانية توفير طائرات مروحية اقتصادية خاصة تتسع لـ6 و8 و14 راكباً، بل والأجمل أنها لا تحتاج أن تهبط في مطار الهفوف أو مطار أبها أو مطار بيشة لوجود مطارات اقتصادية جديدة (مطار جبل القارة الاقتصادي) و(مطار النماص الاقتصادي) وبالتالي توفير وقت وجهد ونقل بري.
اتفقنا على السعر الذي كان أعلى بقليل من أسعار (درجة الأفق والسياحية في المواسم)، حيث تم توفير رحلة ذات الـ8 ركاب من جدة للأحساء وذات الـ6 ركاب من الأحساء للنماص (لوجود ضغط حجوزات على أسطولهم)، بل منحونا تخفيضاً خاصاً في حال العودة صباح ثاني يوم من وصولنا للنماص (بعد مناسبة الزواج)؛ لأن الطيار والمساعد سيقضيان ليلتهما في أحد فنادق النماص بانتظار رحلة العودة (وفق أنظمة ساعات الطيران المعتمدة للطيارين).
اتفقنا على السعر والمواعيد ولله الحمد، وقبل أن أغادر مكتبهم سألتهم منذ متى بدأت هذه الخدمات؟ خاصة أنني كنت أشاهد تلك الطائرات والمدرجات والرحلات والخدمات في أمريكا وأوروبا وبعض دول آسيا، فابتسم موظف الشركة وقال ((هذه الخدمة موجودة من العام الماضي 2028م (أكرر 2028م) لأن الطيران المدني السعودي مواكب لمستهدفات رؤية 2030 والرؤية القادمة لعام 2035 وما بعدها)).
حينها شعرت بالفخر بهيئة الطيران المدني وشركائها الذين خرجوا من بوتقة الروتين التقليدي إلى آفاق أكثر مرونة وحداثة كما تعودنا خلال السنوات الماضية مشكورين يدفعهم وزير للنقل والخدمات اللوجستية ذي تفكير إبداعي.
مساء يوم 1 من شهر يوليو 2029م جاءنا اتصال من إحدى الموظفات السعوديات في شركة الطيران تلك بأن الرحلة جاهزة للإقلاع صباح 2 يوليو حسب المخطط لها من جدة للأحساء، وبالفعل أقلعت الرحلة من جدة للأحساء بقيادة شباب سعودي رائعين، وما أن شارفنا على واحة الأحساء (أكبر الواحات الطبيعية في المنطقة وأحد المواقع المسجلة في قائمة اليونسكو) إلا ونحن نشاهد منظر النخيل من السماء أشبه بسجادة خضراء لا نهاية لها.
هبطت الطائرة في (المدرج الاقتصادي) البسيط بجوار جبل القاره وتفاجأنا بوجود أكثر من طائرة مروحية بمحرك نفاث من عدة شركات (لنفس الغرض ولغيره من سواح ورجال أعمال والأهالي)!.
بدأ برنامجنا الرائع لمدة يومين ثم بدأنا نرتب رحلتنا التالية وبالفعل تلقينا اتصال من شابة سعودية أيضاً من شركة الطيران تشير إلى أن طائرتنا الصغيرة وصلت وجاهزة للإقلاع للنماص من نفس المدرج الاقتصادي الذي هبطنا فيه قبل يومين.
أقلعنا نحو النماص وتناهى لأسماعنا صوت الطيار وزميله يرحبون بنا (وهما أيضاً من الشباب السعودي) وهنا انتقلنا من سحر الأحساء إلى روعة جبال الجنوب الشامخة المُتوشحة بالغيوم والغابات بصورة ساحرة وكأنها لوحات فنية متدرجة الألوان.
وصلنا بحمدالله وهبطنا في (مدرج مطار النماص الاقتصادي) حيث كانت المفاجأة أننا وجدنا أيضاً عِدة طائرات مشابهة تحمل شعارات لشركات متعددة (لرجال الأعمال وزوار وسواح من مختلف مناطق المملكة والخليج وغيرها، بل وجدنا الكثير من أبناء المنطقة يستخدمون هذا النوع من الرحلات والمطار الاقتصادي طوال العام)، حيث علمنا لاحقاً أنها أصبحت خياراً مميزاً ومحبباً للكثيرين من أبناء المنطقة والسواح طوال العام.
حضرنا مناسبة الزواج مُحاطين بالترحيب والفرح وكرم أهلنا في النماص وبالعرضة والخطوة الجنوبية، وفي صباح اليوم التالي ولظروف الأعمال عُدنا إلى جدة وكان الجو صحواً للغاية مما جعلنا نشاهد في طريقنا مدرج صغير، فسألنا الطيار فقال هذا (مدرج مطار سبت العلايا الاقتصادي)، وأضاف هناك مجموعة مدرجات اقتصادية متعددة في معظم مناطق المملكة وعليها إقبال ولله الحمد منها ما سنشاهده في طريق رحلتنا بعد قليل وهو (مدرج مطار بالجرشي الاقتصادي)، وفي اليسار بعيداً يوجد (مدرج مطار فيفا الاقتصادي) وخلفنا بعيداً يقع (مطار حِمى الاقتصادي في نجران) (للعلم آثار حِمى تعتبر أحد المواقع المسجلة في اليونسكو) !! ليس هذا فحسب بل إن آخر رحلة للطيار كانت نقل سواح إلى حائل عند النقوش الأثرية في جبال حائل (جُبه وشويمس) ثم إلى (مدرج مطار تيماء الاقتصادي) القريب من بئر هداج في تبوك! وغيرها من المطارات الاقتصادية الصغيرة المشابهة في بقية المناطق وقد شكرنا الطيار على تلك المعلومات الرائعة.
وأخيراً عدنا بحمدالله إلى جدة بعد جولة رائعة للغاية سنذكرها كثيراً على وعدٍ أن تكون رحلتنا القادمة لشمال المملكة.
إضاءة: رحلتنا للأحساء والنماص (المستقبلية) لم تكن مجرد رحلة سفر عادية، بل كانت تجربة متكاملة استفدنا من تسهيلات هيئة الطيران المدني للمستثمرين وشركات الطيران الخاصة للاستثمار في هذا النشاط، والنتيجة أن الجميع سيكون مستفيدً (المواطن والمقيم والسائح ورجل الأعمال والمستثمر السعودي والأجنبي ومنظمو الرحلات مستفيدون وحتى سائق التاكسي وشركات التوصيل والحرفيون والأسر المنتجة والتجارة بأنواعها ووفرت وظائف للشباب السعودي من الفئتين) عِوضاً عن تلافي مشكلة الموسمية بنسبة كبيرة وزيادة الدخل القومي.
الختام: أتساءل هل يمكن لهيئة الطيران المدني أن تُحقق هذا الحلم قريباً؟ وتحول مقالي هذا إلى واقع! فمن كان يتوقع قبل سنوات بسيطة أن ((برنامج أبشر، توكلنا، ناجز، مواهب السعودية، مشاريع السعودية الكبرى، تسهيل التأشيرات السعودية، المشروع الرياضي، شركة طيران الرياض، وغيرها)) ستكون حديث العالم بل في الصفوف الأولى على مستوى العالم.
والسلام ختام .. حُرر مقالي في المستقبل (أغسطس 2029م) بعد ثلاثة أعوام من الآن!
** **
- جدة