عبدالله صالح المحمود
رصد باحثون ومؤسسات إعلامية كبرى، من بينها وول ستريت جورنال، كيف يمكن لخوارزميات التوصية أن تقود المستخدم تدريجيًا نحو محتوى أكثر إثارة وتطرفًا. فالمشاهد الذي يبدأ بمقاطع رياضية بريئة قد يجد نفسه بعد أسابيع يتابع محتوى لم يبحث عنه يومًا - وإن ظل الجدل العلمي قائمًا حول حجم هذا التأثير ومداه. لم يُجبره أحد، ولم يختر ذلك بوعي، لكن الخوارزمية رسمت له الطريق. وهذه ليست حادثة فردية، بل نمط يتكرر يوميًا على مليارات الشاشات حول العالم، بما فيها شاشاتنا نحن.
الهاتف الذي نحمله لم يعد مجرد وسيلة تواصل، بل نظام يتعلم منا باستمرار. كل نقرة، وكل توقف أمام مقطع، وكل بحث متأخر في الليل، يتحول إلى بيانات تُرسم منها صورة دقيقة عن ميولنا واهتماماتنا ومخاوفنا. في كتابه «الكل يكذب»، يشير الباحث الأمريكي سيث ستيفنز-دافيدويتز إلى أن الناس قد يُجاملون في استطلاعات الرأي وأحاديثهم العلنية، لكنهم يكونون أكثر صدقًا مع محرك البحث. وما نكتبه في لحظاتنا الخاصة يكشف أحيانًا ما لا نقوله علنًا، كاشفًا فجوة بين الصورة التي نعرضها للعالم والحقيقة التي نخفيها. غير أن المسألة لا تقف عند كشف السلوك، بل تتجاوزه إلى توجيهه.
حين تعرف المنصات ما يجذبك، فإنها لا تعرض عليك محتوى عشوائيًا؛ بل تقدم ما يُبقيك أطول وقت ممكن، لأن وقتك هو المنتج الذي تبيعه لمعلنيها. ومع الوقت، تتشكل حولك دائرة فكرية مريحة: تقرأ ما يشبهك، وتشاهد ما يؤكد قناعاتك، وتبتعد تدريجيًا عن كل رأي مختلف. هذا ما يُعرف بـ»فقاعة الفلتر». لا يُمنع الرأي المختلف عنك، لكنه يتراجع تدريجيًا عن مجال رؤيتك. وهكذا تظن أنك ترى الصورة كاملة، بينما أنت ترى نسخة مُصممة خصيصًا لك. وأرى في هذا خطرًا أعمق من التضليل الصريح؛ فالكذب يمكن كشفه، أما الحقيقة المنقوصة المختارة بعناية فهي أشد فتكًا، لأنها تبدو دائمًا منطقية ومقنعة.
وتصاعد الجدل حول خوارزميات بعض المنصات، مثل «تيك توك»، لقدرتها على دفع المستخدم تدريجيًا نحو نمط محتوى متشابه، بما قد يحد من تنوع ما يراه. وحتى سياسيًا، لم تعد الرسائل تُوجَّه إلى جمهور عام كما في السابق، بل تُصمم لفئات محددة وفق سلوكها الرقمي، في مشهد يثير تساؤلات متزايدة حول استقلالية الرأي العام.
وحين تُدار انتباهات الملايين بالطريقة نفسها، يتأثر ترتيب أولويات المجتمع بأكمله. ما يتكرر يُعتقد أنه الأهم، وما تُسقطه الخوارزمية يُظن أنه غير موجود. وقد رأينا ذلك خلال أزمات صحية عالمية، حين تحولت ادعاءات غير مثبتة علميًا إلى قناعات واسعة الانتشار، بعدما دفعتها خوارزميات التفاعل إلى واجهة النقاش العام، لا لأنها الأدق… بل لأنها الأكثر إثارة للانتباه. المجتمع الذي يفقد تنوع رؤيته يصبح أكثر هشاشة أمام التضليل وأكثر عرضة للاستقطاب. وأخطر ما في الخوارزميات ليس أنها تغيّر رأيك مباشرة، بل إنها قد تجعلك تعتقد أن كل العقلاء يشبهونك، وأن المختلف عنك مخطئ أو مضلل؛ وهنا تبدأ بذور الاستقطاب. ولم يعد الأمر مجرد تجربة فردية مع واجهة رقمية، بل مساسًا بنسيج التضامن الاجتماعي ذاته.
ثمة من يقول: «أنت حر، لا أحد يُجبرك على التمرير». وهذا صحيح شكليًا، لكنه يتجاهل أن إرادة الإنسان ليست جزيرة منعزلة؛ بل تتشكل بما يحيط بها. وحين تُصمم الأنظمة لاستغلال نقاط ضعف الدماغ البشري، من التحيز التأكيدي إلى حب المألوف والسعي للإثارة، فإن الحرية الفردية وحدها لا تكفي سلاحًا. لذلك أرى أن «الأمن المعرفي» لم يعد ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة سياسية. ويعني ذلك شفافية أكبر في آليات التوصية، وتعزيز التعليم النقدي الرقمي، وضمان تنوع المحتوى المُقدَّم للمستخدم. وكما تحمي الدول أمنها الاقتصادي والحدودي، فإنها مطالبة اليوم بحماية أمن وعي مواطنيها. وهذه ليست دعوة إلى رقابة أو وصاية، بل إلى توازن حقيقي بين ربحية المنصات وحق المستخدمين في رؤية العالم بعيون غير مُبرمجة.
في الماضي، كانت السيادة تُقاس بالحدود والجيوش. أما اليوم، فهناك معركة أكثر هدوءًا وأعمق أثرًا تدور كل يوم: معركة على الانتباه. ومن يتحكم في تدفق الانتباه يتحكم في ترتيب الأولويات. السؤال الحقيقي لم يعد: ماذا تريد أن تشاهد؟ بل: من الذي قرر ما ستريده؟ ومن لا يملك وعيه... لن يملك قراره.