عبدالرحمن الحضري
يقول وديع الصافي في واحدة من تجلياته: «حلوة وكذابة.. يا أغلى حبابي.. والأكذب منك.. حضرة جنابي».
كلمات هذه الأغنية الجميلة لا تمر عابرة هكذا، بل تشير بذكاء إلى أن «الحبّيبة» -بتشديد الباء- في لحظة عمرية أو عاطفية «ما» قد يستلطفون الكذب فيما بينهم، ويصبح الدجل المتبادل نوعًا من أنواع الغزل المباح، وقد يكون شرطًا «للتميلح» والهيام. لكن؛ هل يقتصر هذا الاستلطاف على حكايا العشاق الدافئة فقط؟ أم أن العدوى انتقلت وتنتقل إلى ساحات أخرى أكثر صخبًا؟!
صديقي «المطنوخ» وهو الخبير بأجواء السهر والمسارح الليلية، يقول: يرتفع رتم الطرب وتتضاعف حماسته مع طقوس «التنقيط»، والتنقيط: هو رشّ النقود في الهواء فوق رؤوس الفنانين والراقصين تعبيرًا عن الطرب والنشوة. وعادة ما كانت تتراوح قيمة المقذوفات النقدية بين 500 - 1000 ليرة «مالطية»!
لكن هذه المبالغ لم تكن ترضي نهم ونشوة «الرامي» (المنقّط) الذي يريد الشهرة ولفت الانتباه بأي ثمن، وفي ذات الوقت، هو لا يستطيع أن «يرشّ» أكثر وإلا عاد مفلسًا!
هنا تتدخل عبقرية «شهرزاد» الساحرة والساخرة -والحديث ما يزال لصديقي المطنوخ- لتحفيز المنقطين المنتشين، فقد ابتُكرت أصدق كذبة وهي: طباعة صور النقود على ورق أبيض بخس الثمن، وأصبح الملهى يبيع رزمة المائة ألف ليرة المُصورة بألف ليرة حقيقية! والعشرة آلاف تشتري لك مليونًا ورقيًا مبهرجًا. وبذلك، أصبح التنقيط مشاعًا للجميع، وراحت طاولات «الـبِست» تتباهى وتتنافس لأن الملايين «الفالصو» كانت تفرش على الطاولات وتتطاير في الهواء مثل أوراق الخريف، والجميع سعيد بالوهم: المطرب يشعر بأنه باهظ الثمن، والزبون يعيش دور المليونير، وصاحب شهرزاد يجمع المال الحقيقي فقط!
ما علينا..
مع ارتفاع وتيرة التهديد والوعيد المستمر بين أمريكا وإسرائيل وإيران في منطقتنا؛ ولأن سوق الفضائيات يطلب محللين سياسيين واستراتيجيين بشكل نهم، أصبح المعروض من المحللين الحقيقيين أقل بكثير من الطلب المتزايد، هنا قامت «بعض» الفضائيات بتحديث كذبة شهرزاد!
الآن.. يكفي أن تذهب إلى القناة حاملاً معك الـ(CV) الفخم وعنوانه: «خبير الشؤون الجيوسياسية والأمن الإقليمي»، وأنا وأنت والقناة نعلم أنها من بنات أفكار شهرزاد «إياها» ومع هذا يطلب منك المخرج بسرعة التفكير في كذبة محبوكة أثناء جلوسك في غرفة الماكيير، وقبل الظهور على الهواء، وهات يا كذب مع أول إطلالة لك على الشاشة القرمزية!
أرجو أن تصدقوني يا جماعة الخير، ولا ترددوا مقولة الفنان القدير سعد الفرج الشهيرة في مسرحية حامي الديار: «ودي أصدق.. بس قوية.. قوية».
الحقيقة المفجعة هي أنها ليست قوية على الإطلاق.. بل هي عادية جدًا، ومستساغة. بالعكس، يبدو أننا نعيش في عصر «الكل يكذب فيه على الكل» والجميع مستمتع بنشوة الملايين الورقية.
أصلاً حتى أنا مارست معكم كذبة استراتيجية في بداية هذا المقال! حيث قلت لكم إن من يغني «حلوة وكذابة» هو وديع الصافي.. في حين أنكم جميعًا سمعتوها بصوت الفنان الكويتي الراحل غريد الشاطئ، وهو يتهكم باللحن الساخر مكملاً المشهد:
عرفتك وحياتك.. إنتي وعقلاتك
ساعة موزونة.. وساعة ترللي ترللي
وحسبتي حسابي
والأكذب منك..
حضرة جنابي!
سلطنوا..