فؤاد بن عبدالله الحمد
في كل عصر كانت للأبوة معاركها الخاصة؛ مرة مع رفقة السوء، وأخرى مع الشارع، ثم مع القنوات الفضائية.
أما اليوم، فقد أصبحت المعركة أكثر هدوءًا وأشد تأثيرًا؛ لأنها تدخل إلى عقول الأبناء عبر شاشة صغيرة يحملونها في أيديهم.
لم تعد القضية التربوية الكبرى مجرد تنظيم وقت الشاشة، بل سؤالا أعمق: من يربّي وعي أبنائنا؟
كثير من الآباء يسألون: كيف نمنع أبناءنا من الإدمان الرقمي؟
لكن السؤال الأدق ربما يكون: كيف نحصّنهم؟ فالرقابة المباشرة -مهما اشتدت- تبقى مؤقتة؛ لأنها تنتهي حين يغيب الوالد أو يكبر الابن. بل قد تدفع أحيانًا إلى التحايل والإخفاء أكثر من بناء القناعة.
البديل الأكثر استدامة هو المناعة الرقمية. أن نُعلّم أبناءنا -بلغة تناسب أعمارهم- كيف تعمل التطبيقات، ولماذا صُممت لتجذب الانتباه، وأن ما يظهر لهم ليس دائمًا بريئًا أو عشوائيًا. فالطفل الذي يفهم اللعبة، لا يدخلها بالسذاجة نفسها.
ثم تأتي مهارة لا تقل أهمية: الاختيار الواعي، فالقدرة على تأجيل الرغبة، وإدارة الوقت، واتخاذ القرار، لا تنشأ فجأة في المراهقة، بل تُبنى من اختيارات صغيرة يومية.
لكن الحقيقة التي قد تبدو قاسية هي أن الطفل لا يتعلم كثيرًا مما نقوله، بل مما يرانا نفعله. نحن -شئنا أم أبينا- أول خوارزمية يراها أبناؤنا. فإن كنا أسرى للإشعارات، فكيف نطلب منهم الحرية منها؟
في النهاية، ليست المعركة ضد التقنية، بل من أجل السيادة على الانتباه؛ أن نُربّي أبناءً يستخدمون التقنية بوعي، لا أن تستخدمهم هي دون أن يشعروا.
والسؤال الأهم: في بيتك اليوم... من يقود الانتباه فعلًا، الأسرة أم الخوارزميات؟