باسم سلامة القليطي
في لفتةٍ واعية تقرأ تحولات هذا العصر، وجّه معالي وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد عبداللطيف بن عبدالعزيز آل الشيخ إلى تخصيص خطبة الجمعة للحديث عن ضوابط استخدام وسائل التواصل والذكاء الاصطناعي؛ تذكيرا بأن اتساع أدوات التأثير لا يلغي ثبات الميزان: كل كلمة تُنشر، تُحسب.
في هذا العصر المتسارع، لم تعد التقنية مجرد وسيلة تُسهّل الحياة، بل تحولت إلى قوةٍ تصوغ الوعي وتعيد تشكيل الإنسان من الداخل. وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي لم تمنحنا فقط القدرة على التعبير، بل منحتنا سلطة التأثير؛ وهذه السلطة، في حقيقتها، اختبارٌ أخلاقي دقيق. فليست العبرة بما نستطيع فعله، بل بما ينبغي أن نفعله. وبين اتساع الإمكانات وضيق الضوابط، يظهر الفارق الحقيقي بين من يستخدم التقنية، ومن تُسيطر عليه التقنية دون أن يشعر.
إن أعظم ما يضبط هذه المساحة الواسعة هو استحضار مراقبة الله في كل كلمة تُكتب أو تُنشر. فالكلمة لم تعد عابرة، بل أصبحت أثرا رقميا باقيا، يُستدعى في أي وقت، ويُحسب على صاحبه مهما طال الزمن. إن الإنسان حين يكتب، فإنه لا يُخاطب الآخرين فقط، بل يُسجّل موقفا أخلاقيا يُعرّف به نفسه.
ومن هنا، فإن الوعي الحقيقي لا يبدأ من معرفة «كيف ننشر؟»، بل من إدراك «لماذا ننشر؟»، ولمن؟، وبأي نية؟. فكم من كلمةٍ رفعت صاحبها درجات، وكم من عبارةٍ كانت سببا في سقوطه دون أن يدرك.
وإذا كانت الكلمة في الماضي تحتاج إلى جهدٍ لتنتشر، فإنها اليوم تنفلت بسرعةٍ تفوق قدرتنا على تدارك أثرها. وهنا تكمن الخطورة: أن يسبق النشر التفكير، وأن تُقال العبارة قبل أن تُوزن. إن التروي لم يعد ترفا أخلاقيا، بل ضرورة وجودية في زمنٍ تتضاعف فيه تبعات الخطأ. وإعادة النشر ليست فعلا محايدا كما يظن البعض، بل هي تبنٍّ ضمني للمحتوى، وشراكة في أثره، خيرا كان أو شرا. لذلك، فإن لحظة الصمت قبل النشر قد تكون أبلغ من ألف كلمةٍ تُقال بلا وعي.
أما الذكاء الاصطناعي، فقد فتح بابا جديدا من الإمكانات، لكنه في الوقت ذاته فتح بابا آخر من الانحرافات الدقيقة. فحين تُستخدم هذه التقنية في تقليد الأصوات، أو تركيب المقاطع، أو انتحال الشخصيات، فإننا لا نتعامل مع مجرد «تجربة تقنية»، بل مع تزويرٍ للحقيقة واعتداءٍ على الثقة.
إن أخطر ما في هذا النوع من الاستخدام ليس كونه كذبا فقط، بل كونه كذبا يبدو صادقا، مما يُربك الوعي ويُضعف القدرة على التمييز. وحين تضيع الحدود بين الحقيقي والمصطنع، يصبح المجتمع عُرضة لفوضى لا تُرى، لكنها تُهدم من الداخل.
وفي ظل سيل المعلومات المتدفق، أضحى التثبت من الأخبار والمقاطع واجبا عينيا على كل مستخدم قبل التصديق أو النشر. إن الانسياق خلف كل ما يُنشر دون تمحيص يوقع المرء في فخ الكذب والإثم، ويجعله شريكا في نشر الشائعات التي تفتت عضد المجتمع. فالمنهج الرباني في «فتبينوا» هو العاصم من الندم، والوقاية من الوقوع في الفتن التي قد تشتعل بشرارة معلومة مفبركة أو مقطع مضلل تم تداوله بحسن نية أو بجهل. فليس كل ما يُرى يُصدق، ولا كل ما يُنشر يُنقل.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأعمق أن هذه الوسائل، رغم هيمنتها، لا تملك روحا؛ نحن من نمنحها معناها، ونحن من نحدد أثرها. فإن أحسنا استخدامها، كانت امتدادا لقيمنا، وجسرا للخير والمعرفة. وإن أسأنا، تحولت إلى معولٍ يهدم الثقة ويُفسد العلاقات ويُضعف المجتمع. التقنية لا تُحاسَب، لكننا نُحاسَب على ما نصنع بها. وبين كل «نشر» و»إرسال»، يقف الإنسان أمام لحظة اختيار صامتة: إما أن يكتب أثرًا يُنجيه، أو يترك كلمة تلاحقه. وفي هذا الاختيار، يتحدد مصيرنا في الدنيا والآخرة.