د. منى بنت علي الحمود
«العيد فرحة» تستعد لها الروح قبل الجسد، تمر ثواني ليلة العيد ببطء يتصاعد، صباح العيد يعلن الولادة، لتجد نفسك أمام مناسبة تأمرك بالفرح!.. تأخذ التهاني حيزها من نسائم صباح العيد ومن نقاء سمائه المختلف، وتمد أذرعها إلى سويعات نهار العيد، بل قد تمتد إلى أيام بعده.
عندما كنا صغارا كان مما يُقال لنا بأن العيد ثلاثة أيام، الأول للرجال والثاني للنساء والثالث للأطفال، لا أعلم مبررا لذلك، لكن إجمالا أيام العيد فرح وعبادة واجتماع، يشارك فيها الرجال والنساء والأطفال حتى الذين لا يدركون من أمر العيد شيئا. فـ«العيد فرحة» لكن ماذا لو تساءلنا عن كواليس مشهد العيد، وماذا تُخبئ خلف ستارها؟..
هل بهجة العيد حقيقة بذاتها، أم أنها ذات ارتباطات شرطية بالهدايا أو الملابس الجديدة أو مكافأة نهاية الطاعات، والاجتماع بالأحبة والآخرين...
هل بهجة العيد تشعرنا بالامتلاء الداخلي، أم أنها لحظة فرحة عابرة؟ وهل تنقل أنفسنا إلى حالة اكتمال وتحتفظ بهذه اللحظة كالذي تحدث عنها «باروخ سبينوزا»: «البهجة، هي أن تنتقل النفس إلى حالة من ارتفاع في القدرة على الوجود والفعل».. فهل هذا حقا ما نشعر به في العيد؟ وإن كان هذا شعورنا حقا، فهل نحتفظ بهذه الحالة بعد ذهاب العيد مجازا؟
هل نصل في بهجة العيد إلى شجاعة الاحتفاء بتناقضاتنا وآلامنا وبالنقص في وجودنا، في حالة عمق نحتفظ بها حقا كما يراه «نيتشة»؟
فالعيد الذي جاء ليلملم شمل الناس، قد يترك بعضهم منقسمين حتى عن أنفسهم ما بين تناقضاتهم، وآلامهم والفقد والفرحة. هل نجد في أنفسنا القدرة على أن نبتهج في العيد في قلب إدراكنا لاستحالة المعنى وحضور الفقد، وكأننا نتمرد على هذا وذاك ببهجة مضادة كما يرى «ألبيركامو»؟
هل هناك في كواليس الأعياد «لحظة مهجورة» لم يشعر بها أحد، لم يتحدث عنها أحد، بل لم يجرؤ حتى الحديث عنها؟
إنها لحظة «ما بعد العيد».. عندما ينتهي كل شيء فجأة، وتصبح أنت بذاتك ذكرى!!
وهل ما يحدث في تلك «اللحظة المهجورة» في العيد هو ذاته ما يحدث في العزاء؟
مثل هذه التساؤلات وغيرها الكثير، يجعلنا أمام تساؤل مفصلي: هل بهجة العيد أصل كما يراه فلاسفة المتصوفة «كجلال الدين الرومي»، حينما تنكشف الروح باتصالها بالمطلق «الله» فتبدو تلك البهجة بلا سبب.
في محاضرة بعنوان: «مباهج العزلة»، ضمن الفعاليات الثقافية غير الربحية التي تقدمها أكاديمية فنسفة الثقافية للتدريب من دافع مسؤوليتها المجتمعية، قدم البرفيسور: أحمد الأسود، الأكاديمي في جامعة الملك سعود المختص في الجيولوجيا، والكاتب والمؤلف في محاضرته هذه تعريفه الإجرائي للعزلة، مشيرا بوضوح إلى الفرق بين العزلة والوحدة، ففي العزلة، لا تكون وحيدا بقدر ما تكون مُستعيدا لذاتك وجوهرك. كما أن العزلة ليست على نوع واحد، فللعزلة أنواعها ودوافعها ومستوياتها، وأهدافها، فهي ليست مجرد انسحاب من العالم، بل هي نوع من الامتلاء الهادئ. استعرض الدكتور «الأسود» نماذج لمقاربات الفلسفة بالعزلة، مستشهدا بمقولات الفلاسفة والمفكرين عنها، وبنماذج ممن مارسوا العزلة الإبداعية في حياتهم من علماء وفلاسفة وفنانين، فالعزلة هي أن تعود من ضجيج الآخرين إلى صوتك الداخلي لتنصت إليه بعمق، وأن تتحرر من الأدوار إلى جوهرك الحقيقي، في العزلة مساحة تتساقط فيها الأقنعة دون عناء، وتصبح فيها نفسك في أكثر الأوقات صدقا.
وتتحقق «مباهج العزلة» كما يذكر الدكتور «أحمد الأسود» عندما تكتشف أفكارا لم تكن تسمعها وسط أصوات الآخرين، فتزداد حدة انصاتك لها، حيث لا يعلو صوت القطيع على صوت الفرد، أو حين تتذوق التفاصيل الصغيرة والتي كانت تمر عليك سريعا كروتين للحياة فحسب، أو عندما تعيد ترتيب الزمن لديك فتصبح الساعات والأيام تقاس بالمعنى وليس بالعدد ولا بالإنجاز، أو عندما تصالح أجزاء كنت تجانبها في ذاتك أو فيما حولك، عندما تحررك من المقارنات والمنافسات وتجعل المعيار لذاتك هو ذاتك أنت.
أخيراً، البهجة حالة أعمق وأدق من ضحكات عميقة، ومجافاة للحزن، أو حتى استهلاك السعادة. هي حالة تشعرك بشيء يجعلك أكثر يقينا بأنك في المكان الصحيح، حتى وإن لم يكن هذا المكان موجودا أصلا. هي قدرتك على التقاط لحظتك الداخلية بعيدا عن الأضواء، والاحتفاظ بها بعد منحها قيمة قد لا يعرفها أحد سواك!.. البهجة هي عمق في نفسك لا يحتاج لمسببات ولا مبررات، تمتلئ به داخليا، تحتفظ به لتعاود اللقاء به، تتذكره بل تعيشه في كل لحظة يحضر فيها لعزلتك مع ذاتك فحسب!.. فالعزلة الجميلة فن دقيق، ونوع من القلق الخلاق تعلمك الاكتفاء بذاتك دون أن تسلبك قدرتك على محبة الآخرين، إنها ليست غياب الآخرين، بل لحضورك الكامل لك أنت.
** **
- مؤسسة ومديرة أكاديمية فنسفة الثقافية للتدريب