د. إبراهيم بن جلال فضلون
شوقٌ تغلغلَ في الحنايا فانفجر
وبوادِ مكةَ كالعقودِ المنتشِرْ
لبّيكَ يا ربَّ الوجودِ ومَن بهِ
يمحو الذنوبَ وبالمكارمِ يَستتِرْ
لقد صدق د. عبد الرحمن العشماوي -وفقه الله- بوصفه صعيد عرفة بالحج، الميلادُ الثاني، وانعتاقُ الروحِ من أسرِ الطينِ إلى رحابِ الطُّهرِ النورانيّ. فما يَرتديه الحاجُّ أو الحجيج كُلُّهُمُ من ثوبَ الإحرامِ الأبيضَينِ كي يَنفضَ عنه أو عنها غبارَ الدنيا، ويَستحيلَ جُزءاً من نَهرٍ بَشريٍّ هادرٍ يتدفّقُ حُبّاً وإيماناً، طمعاً في تلك العودةِ الحميدةِ التي يَعودُ فيها المرءُ نقيّاً كما صاغتْهُ يدُ الفِطرةِ أولَ مرة.
لَبَّيْكَ اللهمَّ لَبَّيْك
إن «لَبَّيْكَ اللهمَّ لَبَّيْك»، ليست جملةً يرددها الحاج، بل عُمرٌ كاملٌ يخرج من ضيق الأرض إلى سعة السماء ورحاب خالقها، فالحج ليس انتقالًا جغرافيًا بين المشاعر، بل انتقالٌ وجوديٌّ من «أنا» إلى «نحن»، ومن ضجيج الحياة إلى يقين الفناء، ومن الاعتياد إلى الدهشة الأولى. فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ» سنن الترمذي.
إن الحج الأكبر ليس مجرد تقويم زمني يمر به المسلم، بل هو حركية روحية كبرى، تُعيد غسل الضمير الإنساني مما علق به من أدران المادية وصراعات الحياة اليومية، ليعود المرء في «عود حميد» إلى أصل الفطرة النقية كل عامٍ، فلا تسافر إلى مكة الأجساد وحدها؛ فثمة أرواحٌ تتخفف من أثقالها القديمة، وقلوبٌ تُخلع عنها صدأة الأعوام، وأعينٌ تمضي إلى البيت العتيق كأنها تمضي إلى موعدها الأول مع الله، وفيها، تتلاشى الهويات الضيقة لتذوب في هوية الإنسانية الموحدة.. ولسان حالنا يقول:
خلعت المناصب والألقاب طائعة
وجئت بابك لا جاه ولا نسب
أثواب نور على الأجساد قد نسجت
تمحو الذنوب وفي رحماتها تثب
حين كان الطريق أطول من العمر
كان الحجُّ قديمًا يشبه الرسائل الأخيرة، حيثُ بدأ الحج عبر القرون أعظمَ من أن يكون موسماً، وأكبرَ من أن يكون رحلة، لأنه في حقيقته عودةُ الإنسان إلى المعنى الذي خرج منه، فالرجل يودع أمه عند باب الطين، ويصافح أبناءه طويلًا، ثم يخرج وكأنه يسير نحو احتماله الأخير، فلم تكن الطرق معبّدة، ولا المياه قريبة، ولا النجاة مضمونة لوعورتها أو للصوص الطرق؛ ومع ذلك كانت القوافل تمضي، لأن الشوق إلى الله كان أقوى من الخوف، وكانت الصحاري تبتلع القوافل، والظمأ يختبر العزائم، حتى كأن الوصول إلى البيت العتيق كان بمثابة بعث جديد بعد فناء مؤكد. وفي ذلك قال أبو تمام:
إلى اللهِ أهوى الركبُ شعثًا كأنهم
سحابٌ دعاهم للرحيلِ هبوبُ
وكان الناس إذا عاد الحاج لا يسألونه عن المدن التي مرَّ بها، بل عن قلبه لذا فقد شدا الركبان:
أَبْصَرْتُ مَكَّةَ وَالأَشْوَاقُ تَعْصِفُ بِي
فِي مَهْمَهٍ خَالَتِ الأَقْدَامُ فِيهِ رَدَى
فَالْيَوْمَ نَأْتِي وَبَابُ الأَمْنِ مُشْرَعَةٌ
نَجْنِي الأَمَانَ وَنَلْقَى نُورَنَا الهُدَى
تجربة تهزم حياة الإنسان القديم
هذا التناقض التاريخي يقودنا إلى «الرؤية الحالمة» التي نعيشها اليوم.. والنقلة النوعية التي حولت المشهد من العشوائية والمخاطرة إلى منظومة حضارية فائقة الدقة بتجربة تهزم حياة الإنسان القديم، فلم يعد الأمن محض مصادفة، بل غدا استراتيجية هندسية وإدارية شاملة، تزاوج بين قداسة المكان وكرامة الإنسان، حيث تُدار الحشود بذكاء اصطناعي وبنية رقمية ولوجستية تجعل من الرحلة المقدسة انسيابية كونية تبهر الأبصار. كما أن الشريعة الإسلامية لم تأتِ لتعنت العباد، بل لجلب المصالح ودرء المفاسد. في موازنة دقيقة بين البعد التعبدي والبعد التنظيمي الإنساني. فالكثافة العددية في بقعة جغرافية محددة وزمن محكم، تتطلب حتماً إطاراً تنظيمياً صارماً لحماية الأرواح.. لأن الحج في جوهره مدرسة تفكيك الأنا. إنه التحدي البدني والنفسي الأقوى الذي يواجه الإنسان المعاصر المُستغرق في رفاهيته. مُطالبً المرء فيه بالتخلي عن الكبرياء حيث يقف الملك والمملوك بملبس واحد لا جيوب فيه، إشارة إلى تجريد الإنسان من ممتلكاته أمام عظمة مالكه الأكبر، ثُم مُغالبة الطبائع البشرية وسط زحام تتمازج فيه مئات الثقافات والألسن، يصبح ضبط النفس وكظم الغيظ جهاداً حقيقياً يفوق جهاد الجسد، وبالتالي فتحديد الطاقة الاستيعابية ليس تقليلاً من عالمية الشعيرة، بل هو عين الفقه الذي يمنع التدافع والتهلكة، ويضمن أن يؤدي كل حاج مناسكه في بيئة صحية وآمنة كفلتها المقاصد الكلية للدين.
الحج بلا تصريح: معصية تنظيمية وإثم فقهي
إن هذا المحك الإيماني يعيد صياغة السلوك البشري، ويعلم الإنسان أن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على العطاء والتسامح وسط الضغوط، فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة». رواه البخاري ومسلم.. ولم يقل النبي «الحج المتعب» ولا «الحج الطويل»، بل «المبرور»، لأن القضية ليست في المشقة ذاتها، وإنما في صدق العبودية أثناء المشقة.. فالالتزام بالتعليمات الإدارية وتفويج الحشود ليس ترفاً، بل هو امتثال لقوله تعالى: (أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ)، (سورة النساء:59). فبعض الناس يظنون أن قدسية العبادة تعني تركها بلا تنظيم، بينما الإسلام نفسه بُني على النظام؛ وانطلاقاً من القواعد الفقهية المستقرة، مثل: «لا ضرر ولا ضرار»، فإن ظاهرة «الحج بلا تصريح» تتجاوز كونها مخالفة قانونية لتصبح تجاوزاً شرعياً واضحاً. وهُنا تتحول الدولة السعودية إلى مهندس لهذه الحشود، يصبح الخروج عن هذا النظام خروجاً عن روح الجماعة وإخلالاً بالأمن العام للحجيج، مما يخدش الطمأنينة الإيمانية التي هي لب العبادة.
الحج بلا تصريح.. عبادة تُنازع مقصدها
لقد أرادت الشريعة للحاج أن يعبد الله مطمئنًا، لا أن يدخل المناسك في فوضى تؤذي الناس وتعرّض الأرواح للخطر. ولهذا فإن التنظيم الحديث للحج ليس خصمًا للروحانية، بل حارسًا لها.. والعبادة التي تُفتتح بالمعصية والتعدي على حقوق الآخرين تفتقد للأهلية الروحية، وتجعل صاحبها مأثوماً بفعله، لأن الوسائل في الشريعة لها أحكام المقاصد. لأن العبادات في الإسلام لا تقوم على النية وحدها، بل على النية الصحيحة والطريق الصحيح معًا، والذي يتجاوز الأنظمة المنظمة للحج بحجة الشوق أو الرغبة، قد يغفل عن حقيقةٍ كبرى:
إن الشريعة لا تقبل عبادةً تُبنى على الإضرار بالناس، وحين يدخل غير المصرّح له إلى المشاعر، فهو لا يزاحم مكانًا فقط، بل يضغط على الغذاء والدواء والنقل والإسعاف والخدمات التي خُططت لأعداد محددة. وهنا يتحول التصريح من إجراءٍ إداري إلى مسؤولية أخلاقية تحفظ حياة الآخرين. ولذلك فإن طاعة الأنظمة التي تحقق السلامة العامة ليست انتقاصًا من التوكل، بل من تمام الفقه.
في محراب المناسك..
سياحة الوجدان الفقهي
لا يشبه يوم عرفة أيَّ يومٍ آخر، فهناك على صعيد الجبل يسقط صوت الدنيا فجأة، ويشعر الإنسان أنه أقرب ما يكون إلى حقيقته الأولى، فلا مناصب ولا جاه ولا سُلطان. وكأن الدين كلَّه ينكمش في تلك الساعات القليلة؛ (دعاء، ودموع، وندم، ورجاء)، حيث يقف الكون خاشعاً في ذلك اليوم المشهود. تذوب الدموع لتغسل الخطايا، وتحضر هيبة الموقف الاستثنائي.
فَيَا نَفْسُ جُودِي بِالدُّمُوعِ تَضَرُّعاً
فَعَفْوُ إِلَهِي فِي المَوَاقِفِ أَوْسَعُ
إِذَا نَزَلَ الرَّحْمَنُ يَبْهَى بِعَبْدِهِ
فَكُلُّ خَطَايَا العُمْرِ تُمْحَى وَتُرْفَعُ
أما رمي الجمرات فليس مشهدًا رمزيًا جامدًا؛ أو مجرد إلقاء لحصى جامد، بل هو رمزية صارخة لمقاومة الشرور الداخلية وكأنه إعلان يومي أن الإنسان يستطيع أن يهزم شيطانه، وأن يقذف ضعفه بعيدًا كلما عاد إليه.
أما السعي بين الصفا والمروة، فهو محاكاة للحيرة البشرية والكدح الإنساني الذي ينتهي دائماً بالفرج الإلهي، فلا يخلّد الإسلام خطوات هاجر فقط، بل يخلّد فكرةً عظيمة: «أن الفرج يولد أحيانًا من الركض المتعب بين جبلين».
أريج وجلال العيد الأكبر.. الله أكبر
حين يطوف الحاج طواف الوداع، وتطوى سجادة الأيام المعدودات، يدرك المسلم أن الحج لم يكن مجرد عيد عابر، بل هو «العيد الأكبر» الذي يعيد صياغة الإنسان من الداخل، فيمرُّ العيد على البيوت برؤية جديدة، وتسامح مطلق، وطاقة إيجابية تبني ولا تهدم. فالعيد فرحُ يوم، لكن الحجُّ فرحُ نجاة. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: (وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّة) متفق عليه.
ولذلك يبقى الحاج بعد عودته شخصًا آخر؛ أهدأ في نظرته، وألين في صوته، وأقلَّ تعلقًا بالأشياء التي كانت تملأ قلبه قبل السفر. فما أعظمها من منزلة؛ أن يكون الإنسان ضيفًا على الله، ثم يعود إلى الدنيا بقلبٍ لا يشبه قلبه الأول. وكأن مكة لا تغيّر الطريق الذي نمشيه فقط، بل تغيّر الإنسان الذي يمشي. فعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ» صحيح مسلم..
وقفة وختامُ المِسك
اللهُ أكبرُ من عِيد في محطةٌ إنسانية كُبرى، فالعودُ حميدٌ، والقلبُ سَعيدٌ، والحجُّ أَبقى في الروحِ نَقاءً يُحيي الموات. فحين يطوف الحاج طواف الوداع، وتطوى سجادة الأيام المعدودات، يدرك المسلم أن الحج لم يكن مجرد عيد عابر، بل هو «العيد الأكبر» الذي يعيد صياغة الإنسان من الداخل، ليخرج إلى العالم برؤية جديدة، وتسامح مطلق، وطاقة إيجابية تبني ولا تهدم. وقد صدقت أشعارنا:
رَجَعْنَا وَالقُلُوبُ بِهَا ضِيَاءٌ
كَأَنَّا لَمْ نَذُقْ فِي النَّاسِ هَمَّا
لأَنَّ اللهَ أَكْبَرُ مِنْ عِيدٍ
وَأَعْظَمُ مَنْ يُفِيضُ العَفْوَ جَمَّا