سلمان بن محمد العُمري
من تسنى له أداء العمرة والزيارة أو الحج إلى بيت الله الحرام مؤخراً، ومن يحظى بشرف المساهمة في خدمة ضيوف الرحمن على مدى الأعوام، يلمس عن قُرب حجم الملحمة الإنسانية والتنظيمية التي تقودها المملكة العربية السعودية في خدمة ضيوف الرحمن من الحجاج والمعتمرين على مدى العام. إنه التشريف العظيم الذي تستشعره بلادنا وتعتز به كأسمى تكليف، خطّت معالمه الأولى يد الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود -طيب الله ثراه-، وسار على نهجه أبناؤه البررة الملوك الكرام -رحمهم الله-، وصولاً إلى هذا العهد الزاهر لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وعرّاب الرؤية الطموحة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظهما الله-، فلم يعد التطوير مجرد تحسينات عابرة، بل تحول إلى منظومة ريادية مستدامة لا تتوقف عند تشييد البنى التحتية العملاقة، بل تتجاوزها إلى صياغة الأنظمة والتشريعات، وتوظيف الذكاء الاصطناعي، وتأهيل الكفاءات الوطنية الشابة لتقديم تجربة حج استثنائية تفوق التوقعات.
إن فضل الله على هذه البلاد أن اختصها بحضانة الحرمين الشريفين (مكة المكرمة والمدينة المنورة)، جعلها أمام مسؤولية تاريخية أثبتت المملكة جدارتها وكفاءتها في حملها؛ حيث تضاعفت الجهود عبر «برنامج خدمة ضيوف الرحمن» (أحد برامج رؤية السعودية 2030) لتقديم حلول مبتكرة أحدثت ثورة في إدارة الحشود وتسهيل النسك، ومن ذلك بطاقة «نسك» الرقمية والذكية: التي أصبحت الهوية الموحدة والشاملة للحاج، وتضم تفاصيله الطبية والسكنية واللوجستية، وتسهم في تسريع وتيرة تفويجه.
ومن الشواهد أيضاً مبادرة «طريق مكة»: التي توسعت لتشمل المزيد من الدول الإسلامية، متمثلة في إنهاء إجراءات دخول الحجاج من مطارات بلدانهم، ليصلوا إلى الأراضي المقدسة كـ»رحلات داخلية» بفضل التنسيق التقني المتكامل. ومن الإجراءات الجديدة والحديثة استخدام الذكاء الاصطناعي وإدارة الحشود عبر استخدام الروبوتات الذكية لتوزيع مياه زمزم والإجابة على الفتاوى بعدة لغات، وأنظمة المحاكاة الرقمية للتنبؤ بحركة الحشود وضمان سلامتها في المشاعر المقدسة.
وتمتد العناية المتميزة إلى النقل المستدام والصديق للبيئة، من خلال التوسع في خدمات «قطار المشاعر المقدسة» وإدخال حلول النقل الذاتي والتنقل المرن لتسهيل الحركة بين المشاعر بكل يسر وسهولة. وتتجلى جهود المملكة في احتضان ملايين الحجاج من شتى بقاع الأرض دون تفريق أو تمييز؛ فالجميع في ظلال المشاعر المقدسة سواسية، تحرسهم عين الأمن السعودي الساهرة، وتحفّهم رعاية صحية متكاملة عبر مستشفيات ومراكز افتراضية وميدانية متطورة تقدم خدماتها بالمجان، وبأعلى معايير الجودة العالمية، وهذا الاهتمام البالغ -قيادةً وحكومةً وشعباً- يبرهن للعالم أجمع مكانة البلد الأمين وزواره لدى وجدان كل سعودي، وهي حقيقة ساطعة كشمس النهار يشهد بها المنصفون في الأمة الإسلامية والعالم، ولا ينكرها إلا جاحدٌ أعمت البصيرة عينه.
إن المسلم العاقل المنصف لا يملك إلا أن يثمن عالياً هذه الجهود الاستثنائية، وسهر أركان الدولة كافة -بجنودها المخلصين ومتطوعيها الأوفياء وشعبها المضياف- على راحة حجاج بيت الله الحرام. إنها صفحات بيضاء نقية تُسطر بمداد من نور في سجل التاريخ الناصع للمملكة العربية السعودية، وميزان حسنات قيادتها وشعبها.
اللهم احفظ بلادنا الغالية المملكة العربية السعودية من كل سوء، وزدها أمناً ورخاءً واستقراراً، ورد كيد الكائدين وحسد الحاسدين وتربص المتربصين عنها.. يا رب العالمين.