صالح الشادي
هذه الأيام التي تتنزل فيها الرحمات على حجاج بيت الله الحرام، وهم يرمون الجمرات ويكبرون الله على ما هداهم، ليست أياماً عادية في تاريخ البشرية. إنها لحظات تتجلى فيها معاني الخشوع، حين يقف ملايين البشر بصعيد عرفة، تحت سماء مكشوفة، بألسنة مختلفة وألوان متباينة، يجمعهم إحرام بلون واحد ونداء واحد رفعه إبراهيم الخليل قبل آلاف السنين: «لبيك اللهم لبيك».
هذا هو الحج، الركن الخامس الذي لا يكتمل إسلام امرئ إلا به، ليس مجرد شعيرة يؤديها المسلم، بل سفر وجودي تعود فيه الروح إلى منبعها الأول، وتجريد للكيان البشري من كل علائق الدنيا، حين يخلع المخيط وينزع ثياب التصنع والتفاخر، ليلف جسده بقطعتين بيضاوين يذكّرانه بالكفن. وفي كل طواف حول الكعبة، وفي كل سعي بين الصفا والمروة، وفي كل وقفة بعرفة، يعيد المسلم قصة هاجر وإسماعيل وإبراهيم، حيث يتساوى العظيم بالسائل والغني بالفقير، لا فرق بينهم إلا بالتقوى، وتذرف الدموع وتخشع القلوب، وكأن البشرية كلها تعود إلى فطرتها الأولى.
ومكة المكرمة ليست مدينة كسائر المدن، بل هي أم القرى، ذلك المكان الذي اختاره الله من بين بقاع الأرض كلها ليكون بيته الحرام، وإليها تتجه قلوب المسلمين في كل صلاة من مشارق الأرض ومغاربها، ومنها انطلق نور الإسلام إلى أقاصي المعمورة. كل خطوة في أرضها عبادة، وكل نفس فيها تسبيح، والكعبة ليست حجارة، بل هي قبلة الأمة والنقطة التي تلتقي فيها خطوط الحب من كل اتجاه. والمدينة المنورة، مهاجر النبي الأعظم ومرقد جسده الطاهر، حيث مسجده الشريف الذي الصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه، حيث نزل الوحي وتأسست الدولة الأولى، حيث علّم النبي أصحابه كيف تكون العبادة دولة والحكم دعوة. قبر النبي الشريف ليس مجرد ضريح، بل هو تذكير دائم بأن الرسالة لم تنته برحيله، وأن سنته باقية ما بقيت الأرض.
هنا تتجلى عظمة المملكة العربية السعودية الحقيقية، ليست في نفطها ولا في موقعها الاستراتيجي، بل في أنها البلد الذي اصطفاه الله ليكون حارساً للأمانة العظمى. خدمة الحجاج ليست مظهراً من مظاهر الكرم العربي، بل هي تكليف إلهي وتشريف رباني يضاهي في عظمته شعائر الحج نفسها. منذ أن وحد الملك عبدالعزيز – طيب الله ثراه – هذه البلاد تحت راية لا إله إلا الله، وهي تحمل هذا العبء العظيم بتفان وإخلاص. أكثر من مليوني حاج يفدون في أيام معدودات، يحتاجون إلى كل شيء: طعام، شراب، سكن، علاج، أمن، طمأنينة. هذه المهمة تضاهي في تعقيدها إدارة دول بأكملها. لكن القيادة السعودية، من عهد المؤسس إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان -حفظهم الله- سخّرت كل الإمكانات: توسعة الحرمين، قطار المشاعر، نظام التفويج الذكي، المستشفيات الميدانية، ليصبح الحج آمناً مريحاً خاشعاً كما أمر الله.
وفي ضمير العالم، وفي أعين العرب والمسلمين، المملكة العربية السعودية ليست مجرد دولة، بل الموطن الذي ضم أطهر بقاع الأرض، البلد الذي يفكر فيه مليار مسلم كل يوم خمس مرات حين يستقبلون القبلة. منها انطلقت رسالة الإسلام، وإليها تهوي أفئدة المؤمنين شوقاً وحنيناً. ليس غريباً أن يبكي الحاج عند الركن اليماني، أو يقبل جبل النور، أو يذرف الدموع في الروضة الشريفة. هذه المشاعر ثمرة قداسة أصيلة في هذه التربة، جعل الله فيها البركة حتى ليضاعف الأجر للحجر والشجر.
نحن أبناء هذه البلاد، من نعيش فوق ترابها المقدس، علينا أن نحمد الله على أن جعلنا من سكان موطن الوحي، وأن نعتز بأن قيادتنا تجعل خدمة الحجاج أولى أولوياتها، وأن نشكرها على ما تبذل من أموال وأرواح ووقت لتبقى مكة والمدينة مناراً لأهل الأرض. في هذه الأيام المباركة، حيث يغادر الحجاج منى بعد أن أكملوا مناسكهم، نتذكر أن العيد عيدان: عيد لمن أتم حجه، وعيد لمن شهد هذا المشهد العظيم من بعيد فجدد العهد بطاعة ربه.
تقبل الله حجهم، وأدام على هذه البلاد نعمة الأمن والإيمان، وثبت أقدام ولاة أمرها على خدمة الحرمين والحجاج، إنه سميع مجيب. والحمد لله رب العالمين.