مشعل الحارثي
حجاج بيت الله وضيوفه الكرام وها قد أتيتم من كل فج عميق، وحطت رحالكم في هذه البلاد المقدسة لتؤدوا مناسك حجكم، وأصواتكم لا تخفت وحناجركم لا تهدأ تلبيةً ودعاءً، وتهليلاً وتكبيراً، تحميداً وتسبيحاً، وتعظيماً وإجلالاً وشكراً.
فيالها من نعمة كبرى وفضل عظيم أنكم تقفون على ثرى هذه الأراضي المباركة التي تشهد رمالها وحصاها وجبالها وأوديتها ورباها بخطوات الحبيب المصطفى - عليه أفضل الصلاة والسلام - ومن تشرفت به تعبداً وتفكراً وطريقاً وسيراً وأسراراً، ومعلماً وهادياً وبشيراً.
تذكَّروا وأنتم في هذه المواقف العظيمة وقد فاضت قلوبكم رقة وهدى أنكم تسيرون هنا على خطاه في رحاب مكة المكرمة، وبيت الله الحرام، الذي جعل الله سبحانه وتعالى حج أمة الإسلام إليه وليس إلى مكان آخر سواه، ولأنه أول بيت عُبد الله فيه على هذه الأرض، وفيه بدأ الدين، وإليه كان حج الأمة الخاتمة رمزاً وتجسيداً لوحدة دين الله من آدم -عليه السلام- إلى محمد -صلى الله عليه وسلم-، وفيه تم اكتمال لَبَنَات هذا الدين وتمام الرسالة المحمدية.
تذكَّروا حجاج بيت الله أنكم تعيشون هنا شرف المقام والمكان، وأنكم تستنشقون عبق التاريخ ونسائم الأمكنة وأريج الذكريات في كل خطوة تخطونها وفي كل موضع قدم تطؤه أقدامكم، وستجدون هذه الأماكن هي الأخرى في شوق إليكم، ترحب بكم وتهمس لكم وتحاوركم وتفصح معلنة عن هويتها وقدسيتها منذ أن أصبحت فجراً وضاءً، بيتاً وكعبةً، وبئراً ومقاماً، ديناً ورسولاً، دعوة ورسالة، وقرآناً يتلى شريعة ومنهاجاً قويماً إلى يوم يبعثون.
ستجدون أيضاً أنها تنطق بحديث الروح والقلب المفعم بحلاوة الإيمان وشرف الإسلام وتقول لكم هنا مكة المكرمة، هنا جبل النور وفي قمته غار حراء الذي كان يتعبد فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وفيه نزل جبريل -عليه السلام- بأول القرآن الكريم، وهنا جبل ثور الذي مكث فيه الرسول -عليه الصلاة والسلام- وأبوبكر الصديق -رضي الله عنه- أثناء الهجرة إلى المدينة المنورة، وهنا بئر زمزم المقدسة التي أنبعها الله سبحانه وتعالى لتكون سقيا للنبي إسماعيل وأمه هاجر، وهنا موقع «خيمة أم معبد»، وهناك موقع الحديبية المرتبطة بصلح الحديبية التاريخي، وبئر طوى، ووادي حنين، والجعرانة، وأوطاس، وقرن المنازل، ويلملم، وذات عرق، ومسجد البيعة، ومسجد الجن، ومسجد عائشة «التنعيم» أحد مواقيت الإحرام لأهل مكة، ومسجد الإجابة، ومقبرة المعلاة (مقبرة الحجون)، التي تضم قبور العديد من الصحابة وأهل بيت النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأبرزهم زوجته خديجة بنت خويلد - رضي الله عنها.
وغيرها الكثير والكثير، ولتؤكد كل هذه المآثر والآثار الخالدة بأن نهضة الأمة الإسلامية، لابد أن تنبثق من تاريخها العريق، ومن مستودع آثارها الخالدة ومن «فلسفة» أصيلة تربط حاضر الأمة بماضيها في توليفة منسجمة تزاوج بين الإرث الفكري القديم وحاجات العصر المستجدة.
وأخيراً وليس آخراً تذكَّروا حجاج بيت الله الحرام وأنتم تعيشون هذه التجليات والذكريات والشواهد التاريخية، وما تنتظره روح كل مسلم ومسلمة وحاج وحاجة في هذه الرحلة المقدسة من الأجر والثواب وغفران الذنوب، ومع كل شعيرة ومنسك تؤدونه أنه يجب أن يتبع بسلوك إيماني وحضاري يرتقي لمكانة هذه البلاد الطاهرة وما بها من مآثر وآثار عظيمة، ويتوازى مع حجم الجهود التي تبذلها حكومة المملكة العربية السعودية وقيادتها الرشيدة بكل فخر واعتزاز والتي تتضاعف عاماً بعد آخر ومنذ أكثر من (100) عام، ورصدت لذلك المليارات من الريالات وجندت عشرات الآلاف من الطاقات البشرية والإمكانيات لتقديم أرقى الخدمات والتسهيلات للحجاج والمعتمرين وعلى الوجه الأكمل لينعموا بأداء نسكهم في يسر وسهولة ويشعرون بالأمن والأمان والطمأنينة والسلام.
حفظ الله خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان، وحكومتهم الرشيدة، ووفَّق رجالنا المخلصين من المجندين والمدنيين والساهرين لخدمة الحجيج في كل قطاع وميدان، وجزاهما عنا وعن أمة الإسلام والمسلمين خير الجزاء.. وكل عام والوطن والجميع بألف خير.