علي حسن حسون
في زمنٍ أصبحت فيه الأسعار تتصاعد، ظهرت لنا معادلات اقتصادية عجيبة يصعب تفسيرها أو حتى استيعابها، فكل يوم نستيقظ على مبرر جديد لارتفاع سلعة ما، حتى أصبح المستهلك يعيش في حالة ترقب دائم: ماذا سيرتفع اليوم؟ تذكرة الطيران أم سعر «الخروف المحلي المدلل»؟
من المعروف أن ارتفاع أسعار الوقود يؤثر على قطاع الطيران، فتكلفة التشغيل ترتفع، وأسعار الشحن تتضاعف، وإيجارات الطائرات والمطارات تتأثر، بل وحتى عدد الرحلات يخضع لمسألة العرض والطلب، لذلك قد نتفهم -ولو على مضض- لماذا ترتفع أسعار السفر في مواسم الصيف والأعياد.
لكن السؤال الحقيقي الذي يحتاج إلى مؤتمر اقتصادي عاجل: ما الذي يحدث في سوق الأغنام تحديداً؟
هل الخروف اليوم يُربّى في منتجع خمس نجوم؟ وهل أصبح يتناول أعلافاً عضوية مستوردة من سويسرا؟ أم أن هناك تطبيقاً يعتمد على الذكاء الاصطناعي يحسب له عدد السعرات الحرارية يومياً حتى يحافظ على «جودة اللحم»؟
ثم فجأة، ومع دخول شهر ذي الحجة، تقفز الأسعار قفزاتٍ جنونية وكأن الخراف تُشحن جواً بدرجة رجال الأعمال، أو لعل بعض التجار يربطون سعر الخروف مباشرة بأسعار النفط العالمية، وربما أن مضيق هرمز أصبح يؤثر حتى على تنقّل الأغنام داخل الحظائر!
وفي كل عام يتكرر ذات السيناريو؛ المواطن يسأل عن السبب، والتاجر يجيب بثقة: «الأعلاف ارتفعت». رغم أن دورة تربية المواشي تمتد لأشهر طويلة، ولم نشهد هذا «الانفجار السعري» قبل موسم العيد مباشرة إلا وكأن الخروف يدرك قرب الأضحية فيقرر رفع قيمته السوقية بنفسه.
الأمر لم يعد مجرد ارتفاع طبيعي للأسعار، بل أصبح أقرب إلى سباق مفتوح في استنزاف المستهلك، خصوصاً أن الأضحية شعيرة دينية يحرص عليها الناس، وليست سلعة كمالية يمكن الاستغناء عنها بسهولة. ومع هذه الأسعار، قد نجد البعض هذا العام يقف أمام الحظيرة كما يقف أمام مكتب الخطوط الجوية، يقارن بين «خروف نعيمي» ورحلة ذهاب وعودة إلى جنيف، وربما تكون الرحلة أوفر وتشمل الإفطار أيضاً.
إن ضبط الأسواق مسؤولية ضرورية، خصوصاً في المواسم، لأن ترك الأسعار بلا رقابة يفتح باب المبالغة والاستغلال، ويحوّل فرحة العيد إلى معادلة حسابية معقدة لا يفهمها إلا تجار المواشي.
وفي النهاية، يبقى المطلوب ليس فقط تبرير الأسعار، بل خلق توازن حقيقي يعيد للسوق رشده، ويمنع تحوّل المواسم إلى موجات تضخم موسمية متكررة فالمجتمع يحتاج إلى شفافية في الأسعار، ورقابة تمنع العبث، حتى تبقى الأعياد أعياداً، لا «بورصة موسمية» تُدار بمنطق العرض والطلب المبالغ فيه.