«الجزيرة» - قسم التحقيقات:
بين الورق والحبر.. والشغف والعناء.. تمتد حكاية رجل لم يتعامل مع الإعلام بوصفه مهنة عابرة، بل رسالة عاشها بكل ما يملك من صحف الحائط في أقصى الشمال.. إلى الصحافة الورقية.. ثم الإذاعة والفضائيات والمنابر العربية
رحلة طويلة.. تتنقل محمولة على عشقٍ قديم للكلمة.. وإيمانٍ عميقٍ بصورة الوطن.. ورسالة القلم.
د. صالح الشادي.. سيرة إعلامية وثقافية استثنائية.. صنعت مشروعها بجهد فردي.. وخاضت معاركها بالشغف.. وظل الوطن فيها العنوان الأكبر.. والحبرُ آخر ما ينفد.
لم يحمل مؤسسة خلفه.. ولا ميزانيات ضخمة.. ولا فريقاً يُعبّد له الطريق...كان يحمل حُلماً فقط.. وقلباً يؤمن بالكلمة.
في هذا الحوار.. لا نتتبع مسيرة إعلامية.. بل نصغي إلى حكاية رجل آمن بأن الوطن رسالة تُكتب.. حكاية شغفٍ طويل.. خاضه الحبر.. وأتعبته التجارب.. لكنه ظل مؤمناً بأن الوطن يستحق أن يُروى.. هناك رجالٌ لا يمرون على الصحافة.. بل تمر الصحافة عبر أعمارهم .. د. صالح الشادي أحدهم.
إلى الجزء الثاني من الحوار:
* هل تمكنت من تطوير العمل إلى النشر الإلكتروني؟
- نعم، أضفنا الخدمة الرقمية لتصبح صحفاً ورقية وإلكترونية، ثم أضفنا صحيفة «تفعيلة» الشعرية، ومجلة «رواسي» السياحية.. كما قدمت مع الزميل الإعلامي الكبير سعد المعطش رحمه الله أول بودكاست متخصص في الفضاء العربي.
* وهل توقفت الرحلة عند حدود المطبوع والرقمي؟
- لا لم تقف الرحلة عند حدود المطبوع والرقمي، بل امتدّ الشغف ليرسم ملامح تجربة جديدة وأكثر اتساعاً. تطور الأمر إلى إطلاقي لقناتين فضائيتين لصحافة التليتكست عبر القمرين «عرب سات» و»نايل سات».
* ما اسم هاتين المحطتين وما مضمونهما؟
- حملت الأولى اسم «المصدر» والثانية اسم «قناة سبورت نيوز». اهتمت هاتان المحطتان بمتابعة الأخبار اليومية والربط المباشر بوكالات الأنباء العالمية والعربية، مع تركيز خاص ومكثف على الشأن السعودي سياسيا واجتماعيا ورياضيا على مدار الساعة.
* كم استمر بث هاتين المحطتين؟
- استمر البث لعدة أشهر، ثم توقف نتيجة قصور ذاتي اعترف به بكل شفافية، عدا عن تراجع الوضع المادي طبعا.. ألا وهو عدم خبرتي او تفرغي في مجال التسويق والإعلان، ذلك العنصر الحيوي الذي يحوّل المشروع الإعلامي من فكرة شغوفة إلى مؤسسة مستدامة، والأمر برمته لم يكن تجاريا كما قلت لك.
* وماذا عن التجربة الإذاعية؟
- نعم في عام 2010 استجمعت قواي وأُضفت إلى المشروع إذاعة باسم راديو «سياحة إف إم» وهي ما زالت قائمة حتى الآن، تبث عبر الأثير ومن خلال التطبيقات عنيت في المقام الأول بالتراث الفني السعودي. إلى جانب تقديم أهم الأخبار التي تتضمن قضايا الساعة مرتكزة بشكل كبير على محتوى وكالتي الأنباء السعودية والأردنية، وقدمت العشرات من البرامج الإذاعية المدروسة.. وقد عنيت الإذاعة بمتابعة مشكورة من المسؤولين ومن سفراء المملكة الأستاذ فهد الزيد. الدكتور سامي الصالح. والأمير خالد بن فيصل بن تركي ومن فئات مختلفة من الجاليات العربية والطلبة السعوديين.
* ذكرت بأنك قد قدمت برنامجاً إذاعياً فلسفيا في تلك الفترة؟
- نعم، على أثير هذه الإذاعة نفسها، قدمت لعدة سنوات برنامجاً أسميته «مربط الفرس». وربما كنت أول سعودي يقدم برنامجا إذاعيا في أثير العاصمة عمان استمر لسنوات. كان البرنامج مباشرا، عني بإيصال التراث السعودي بشقيه: الكلمة والأغنية إلى الأشقاء للشارع الأردني والعربي. بقالب توعوي فلسفي وقد شاركني فيه كمحاور شاعر الأردن الأستاذ فايز الحميدات، وما زلت أذكر كيف وجد هذا البرنامج صدى وقبولاً جماهيرا طيبا، ليس لأنه كان مثالياً، بل لأنه كان صادقاً، يتحدث بلغة بسيطة عن أشياء أصيلة.
* ما الذي تعلمته من تلك التجربة الإذاعية؟
- لم أتوقع أن يصل الأمر إلى حيث وصل، تلك التجربة علّمني أن القلوب والشعوب تلتقي على حب التراث، وأن الإذاعة حين تحتضن الصدق تصنع ذاكرة لا تغيب. وأذكر بالمناسبة في تلك الفترة حصولنا على جائزة الريادة في الإعلام الإذاعي السياحي عربيا خلال مؤتمر الإعلام السياحي الذي انعقد في بيروت. وأنا هنا الآن، إذ أحدثك، أستعيد تلك الأيام وكأنها قبل لحظة، وأشعر بامتنان حقيقي لكل من شاركني تلك الرحلة الصوتية، دون أن أعرف وجوهاً كثيرة منهم.
* كيف تصف مجمل هذا المشروع؟ هل كان تجارياً بحتاً؟
- كان الأمر كبيراً، ثقيلاً على طاقة فرد واحد، لكن الشغف وحب الوطن كان أكبر، والرسالة بحق كانت أعظم. وربما هنا يكمن السر: هذا المشروع بأكمله، بكل ما حمله من صحف ومحطات وإذاعة. لم يكن مشروعاً تجارياً أقيس ربحه أو خسارته يوماً، بل كان معنى وشغفاً وحباً خالصاً لبلدي. لذلك، وبكل أمانة، لم أشعر بأي حسرة أو ندم على ما مضى، ولا على ما بذلت. لأن كل لحظة عشتها في هذا الطريق، وكل حرف كتبته، كان ثمنه مقدماً في ضميري قبل أن يكون في حسابي. لقد كانت محاولة صادقة لتقديم إعلام خارجي سعودي حقيقي، نبضه من داخله، بصوته الخاص، حتى لو كان الأمر مكلفا أو متعبا لكنه كان تعبا لذيذا صدقني.
* ثم أتت تجربة «نادي الصحافة الفضائية العربية». حدثنا عنها بالتفصيل؟
- قبل أن أجيب هنا.. أذكر الصديق المخرج عامر الحمود الذي أطلق قناة الدراما السعودية من عمان.. شاركت معه ومن خلال شاشتها ببرنامج أسبوعي فلسفي بنكهة سعودية وطعم سعودي كنت أقدمه على الهواء مباشرة لموسم كامل بعنوان مدن الشعراء.. ولقي أصداء طيبة عربية ومحلية.. وبعد سنوات وإجابة عن سؤالك توجت نشاطي بإنشاء وتأسيس «نادي الصحافة الفضائية العربية» عام 2012، الذي عني بجمع شمل الصحافة العربية. أطلقنا أول أعماله عام 2013 برعاية رئيس الوزراء الأردني في عمان، كمحطة أولى، ومؤتمر أول تحت عنوان «نحو أسرة إعلامية واحدة». وأذكر أنني قد استدنت من الوالدة رحمها الله وبعض الأصدقاء والبنوك لإتمام الأمر.
* من هم المشاركون في ذلك المؤتمر الأول؟
- شارك في المؤتمر الأول أكثر من 40 إعلامياً من العالم العربي، من وزراء ورؤساء تحرير وكتّاب وصحفيين ومذيعين وكان للمملكة حضور لافت، أذكر منهم الأساتذة: خالد المالك، تركي الدخيل، عبد الوهاب الفايز، ميسر الشمري، عوض القحطاني، سمر المقرن، تركي العجمة، ميسون عزام، خلف ملفي، عبد العزيز الشمري، سمير السيالي وآخرون كثر، كممثلين عن صحف ومؤسسات متعددة، وعن وزارة الإعلام والتلفزيون السعودي، وتلفزيونات خاصة كروتانا، وMBC، والعربية.
* كيف تصف أجواء تلك التجربة؟
- كانت تجربة مميزة، بجهد شخصي ولقاء استمر أربعة أيام متتالية وقدمت خلاله عدة ندوات تناولت الشأن العربي ومستقبل الصحافة والتجربة الإعلامية السعودية وأبرز ملامحها وكان أروع ما في الأمر هو حضور الإعلاميين السعوديين وتفاعلهم، ومشاركتهم الفاعلة فضلا عن الختام الجميل باجتماع أعضاء النادي في حفل عشاء رسمي أقامه مشكوراً سفيرنا الرائع آنذاك سعادة الأستاذ فهد الزيد.
* ولماذا لم يستمر النادي في نشاطه المباشر؟
- أجواء «الربيع العربي» وتلك الأحداث التي عصفت بالمنطقة، مع صعوبة التمويل، حالت دون استمرارية النادي كنشاط مباشر، وإن ظل عمله قائماً في النشر الصحفي والتعليق على الأحداث لسنوات.
* بعد كل هذا المشوار وتلك التجارب، أين أنت اليوم من عالم الصحافة؟
- ما أود قوله، بكل صدق وتواضع، إن العمل الصحفي عشق لا ينقطع، ورسالته السامية لن تنتهي. ورغم قصر تجربتي كناشر وعدم تفرغي الكامل إلا أنها تركت أثراً جميلاً تلمسته بين الأصدقاء في المحيط العربي، لتزداد صورة المملكة إشراقاً على إشراقها وهو ما كنت اسعى إليه. ومضى الوقت.. وبقي الشعر وبقي القلم في جيبي لا يفارق. أكتب حباً وعشقاً وأمنية، وأجود بما أعرف وأفهم كرسالة.
* وهل عدت إلى أي منابر إعلامية محددة؟
- بعد عودتي إلى المملكة شاركت بأعداد وتقديم برنامج «هذا أنا» على شاشة قناة روتانا كنت فيه استقرئ الشخصية ثم أحللها من خلال الإجابة.. استضفت فيه أكثر من ثلاثين رمزا سعوديا في مختلف المجالات المهنية والفكرية والإبداعية.. أذكر منهم الأمير الراحل بدر بن عبدالمحسن. الأمير فيصل بن عبدالله، الأمير عبدالرحمن بن مساعد، الفنان ضياء عزيز، عثمان الخزيم، المفكر الدكتور تركي الحمد ورجل الأعمال خالد الشثري والفنان محمد عبده وغيرهم الكثير.. تلاه بعد فترة مشاركتي في تقديم برنامج شعري عبر أثير إم بي سي إف إم.. ترجلت بعده عن حصاني بسلام.. ورغم ابتعادي عن العمل المكتبي والصخب المباشر، إلا أنني عدت مؤخراً إلى نقطة البداية، إلى الكتابة في صحيفة «الجزيرة» من جديد. وما أخطّه فيها الآن هو امتداد لتلك البداية، قبل أكثر من أربعين عاماً، إلى جانب عشق الشعر الذي لم اختره ولم يبارحني.
* كلمة أخيرة يختتم بها ضيفنا هذا الحوار؟
- لقد تطورت الوسائل وتنوعت، لكن مفهوم العمل الإعلامي والصحافة برسالتها وعمقها يبقى، خاصة لدى أولئك الذين يؤمنون بقيمة القلم ودوره في النهضة والبناء والذود عن الحمى.. كيف لا وتراب هذا الوطن هو أقدس ثرى.. هذا الوطن قبلة الإسلام ومهد البطولات والحضارات.. وقادته هم أعظم القادة وشعبه من أنبل شعوب الأرض. هذا وطن المعجزات والمنجزات يا صديقي.. أقول لك هذا ولا زال في القلم حبرٌ.