أحمد بن محمد الشريدي
حينما يكون الرثاء في أصحاب القلوب الطيبة، والسيرة العطرة، والسجايا الفاضلة، والمآثر الحسنة، الذين لهم في أفئدتنا حبٌّ وتقدير، تضيق الكلمات وتتوارى الحروف عند وداعهم بقلوب يعتصرها الألم، وعيون تدمع لفراقهم. وندرك حينها بثبات وإيمان أن الموت حق ويقين لا مفر منه، وأن الدنيا دار ممر وعمل وأثر، والآخرة هي دار القرار والجزاء، ونحمده سبحانه على قضائه وقدره.
وها نحن اليوم نودع قامة تربوية ورياضية وأحد أعلامها البارزين وأبنائها البارين بمحافظة حريملاء الفقيد الغالي والمربي الفاضل عبدالعزيز بن حسن الحسينان، مدير مدرسة خزيمة بن ثابت ورئيس نادي حريملاء سابقاً، الذي يعد رائداً من رواد التربية والتعليم في المحافظة، وصاحب السيرة العطرة والمسيرة الطويلة التي تجاوزت نصف قرن، جمعت مسيرته الحافة بالإنجازات المشرفة بين العطاء التربوي والريادة الرياضية، التي كان لها بالغ الأثر في بناء عقول واعية، وزرع القيم وغرس الفضيلة، فكان منارة يُستضاء بها في دروب التربية والتعليم.
كما يعد الفقيد علماً بارزاً قاد سفينة الشباب والرياضة بحكمة واقتدار؛ حيث شارك في تأسيس النادي الرياضي منذ بدايات تأسيسه عام 1978م (الموافق لعام 1398هـ)، وظل عضواً بارزاً ومتميزاً حتى توسعت وتعددت نشاطاته المختلفة، وتحققت أهدافه ونجاحاته المتواصلة.
وقد كان الفقيد -رحمه الله- نموذجاً فريداً ومشرفاً يجسد في شخصيته الرائعة الرزانة والوقار في أبهى صورهما. فمنذ أن تولى أمانة ومسؤولية الإدارة المدرسية، كان بحنكته يدرك أن التربية تسبق التعليم؛ فغرس في نفوس طلاب المدرسة هيبة المعلم وأبوة القائد. ولم تنحصر رسالته داخل أسوار المدرسة، بل امتدت عطاءاته لتشمل المجلس البلدي، والميدان الرياضي والاجتماعي من خلال رئاسته للنادي، حيث جعل من الرياضة بيئة لتهذيب النفوس، والتقاء الأجيال، وتعزيز التلاحم الاجتماعي.
وإذا أردنا أن نبحث عن السر الذي جعل محبته تتربع في قلوب الجميع، فإننا نجده في شخصيته الراقية، التي تسمو بالرزانة والوقار والخلق الرفيع. كان -رحمه الله- بشوش المحيا، هادئ النفس، قليل الكلام، يفضِّل أن تتحدث أفعاله وطيب صنيعه بالنيابة عنه. وكان صمته وقاراً، وحديثه حكمة، وابتسامته التي لا تفارق وجهه مفتاحاً يدخل به إلى قلوب الصغار والكبار على حد سواء.
لقد كانت معرفتي وعلاقتي بالفقيد الغالي ممتدة منذ الطفولة والصبا، فكان نعم الجار بحي «قراشة»، ونعم الأخ الكبير الثري بحب أهل الحارة الكرام وتقديرهم. ومروراً بمرحلة الشباب، عندما كنت لاعباً في نادي حريملاء، وكان الفقيد حينها نائباً ثم رئيساً للنادي، ومشرفاً فعَّالاً في متابعة التمارين ومرافقتنا خلال رحلات السفر والمباريات خارج المحافظة، واستمر التواصل بيننا حتى قبل رحيله.
وعلى الرغم من أن مجال الرياضة يصحبه الحماس والانفعال والضغوط والشد والشحن النفسي، إلا أنني لم أره أو أسمعه يوماً من الأيام قد أساء أو انفعل، أو حتى رفع صوته على أحد، سواء في النادي أو خارج النادي أو حتى أيام الطفولة وشقاوتها في الحارة، بل كان، رائعاً يغمر ويخجل من حوله بجمال شخصيته الوقورة التي تسمو بالهدوء والسكينة، وتتسم بالرقي و»الحبابة» والتواضع الجم؛ تلك السمات الفريدة زادته هيبة واحتراماً في عين الصغير والكبير، كان طيب ونقي القلب، يتحلَّى بعفة النفس وحفظ اللسان، يتجنب كثرة المزاح والقيل والقال والغيبة، ويوفر طاقته ووقته للعمل والعطاء والكلام النافع والمجدي.
إن غياب مثل هذه الشخصيات القيادية والقامات التربوية، والقدوات الحسنة المشرِّفة، يترك أثراً عميقاً وألماً حاداً، لكن العزاء يكمن في ذلك الإرث من طيب الأعمال الذي تركه خلفه، وفي أجيالٍ من الطلاب والشباب الذين تخرجوا من مدرسته التعليمية والرياضية يحملون مبادئه ويسيرون على خطاه.
رحل إلى دار البقاء وترك خلفه أبناءً صالحين، وإرثاً من العلم النافع والحب الكبير والعطاء الجميل بتربيته للأجيال وإدارته التربوية؛ رحل «أبو بندر» جسداً وبقي أثراً يفوح مسكاً في كل زاوية من زوايا مدرسته وناديه ومجتمعه.
نسأل الله العلي القدير أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته وغفرانه، وأن ينزله منازل الصالحين من عباده، ويسكنه فسيح جناته، وأن يجزه خير الجزاء عما قدم لدينه ووطنه ومجتمعه، ويجعل أعماله رفعةً وأثراً طيباً ومباركاً له ولأسرته ووالديه وذريتهم. وأن يربط على قلوب أهله ومحبيه ويجبر مصابهم، ويلهمهم الصبر الجميل ويرزقهم الأجر الجزيل. {إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}.