د. محمد بن عبدالله آل عمرو
من أمثال العرب البليغة التي تختصر تجارب الحياة وتكشف طبائع البشر قولهم: «إياك والرأي الفطير»، وهو مثل قصير في ألفاظه، عميق في معانيه، يُضرب للتحذير من الآراء العجلة، والأفكار غير الناضجة، والقرارات التي تولد في لحظة اندفاع ثم تُنفَّذ قبل أن تُعرض على العقل والتأمل والتجربة والمشاورة.
فكم من كلمة قيلت على عجل فأفسدت علاقة، وكم من قرار اتُّخذ بطيش فأضاع مالًا أو مكانة أو مستقبلًا، وكم من إنسان ندم لأنه استجاب لأول خاطرة دون أن يمنحها فرصة النضج والتمحيص.
وقد عبّر العرب عن هذا المعنى بلفظ «الفطير» تشبيهًا للرأي بالعجين الذي لم يكتمل نضجه، فلا يصلح للأكل ولا يُحمد أثره. وكذلك الرأي إذا خرج قبل أوانه، أو تكوَّن دون علم أو روية، كان أقرب إلى الضرر منه إلى النفع.
ومن هنا جاءت حكمة العرب في التمهل، وجاءت النصوص الشرعية والتجارب الإنسانية كلها تؤكد أن التثبت والتفكر من علامات العقل والرشد.
وقد قيل في الأثر: «في التأني السلامة، وفي العجلة الندامة»، وهي حكمة جرت مجرى القاعدة في حياة الناس.
فالإنسان حين تغلبه الحماسة أو الغضب أو الانبهار قد يرى الأمر واضحًا جليًّا، لكنه إذا هدأ وأعاد النظر اكتشف جوانب لم تكن حاضرة في ذهنه ساعة الاندفاع. ولهذا كان العقلاء يؤخرون القرارات المصيرية حتى تهدأ الانفعالات، لأن النفس في حال التوتر لا ترى الصورة كاملة. ولذلك جاءت الشورى من أعظم أسباب سلامة الرأي؛ إذ إن الإنسان مهما بلغ من العلم والخبرة يبقى محدود النظر، يرى من الزاوية التي يقف فيها، بينما تكشف له المشاورة ما غاب عنه. قال تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ}.
وفي هذا توجيه رباني عظيم إلى أن الرأي الفردي قد يعتريه النقص مهما كان صاحبه حكيمًا.
وكان العرب يقولون: «ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار».
فالرأي المتعجل كثيرًا ما يكشف عن طيش صاحبه وقلة حكمته، حتى وإن حاول أن يزينه بالكلام أو يلبسه ثوب الثقة. والحقيقة أن الحكيم ليس من يكثر الكلام، بل من يُحسن التقدير قبل الكلام والفعل. وليس المقصود من التحذير من «الرأي الفطير» الدعوة إلى التردد المرضي أو تعطيل الحسم، فالحياة تحتاج إلى قرار، لكنها تحتاج قبل القرار إلى وعي ونظر وعقل.
فالتأني لا يعني الضعف، بل يعني أن يُعطي الإنسان الأمور قدرها من التفكير، وأن يوازن بين النتائج والمخاطر، وأن يدرك أن بعض الأخطاء لا يمكن إصلاحها بسهولة. وهذا يتكامل في صورة بديعة دون تعارض مع قول الشاعر:
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة
فإن فساد الرأي أن تتردا
فالعزيمة المقصودة هنا ليست التسرع، وإنما الثبات بعد اكتمال النظر وصحة التقدير. إن كثيرًا من الندم في حياة البشر لم يكن سببه قلة الذكاء، بل قلة التروي. ولذلك ظل هذا المثل العربي خالدًا عبر الأزمان: «إياك والرأي الفطير»؛ لأنه لا يحذر من فكرة عابرة فحسب، بل يحذر من الاستعجال الذي قد يحوّل لحظة طيش إلى خسارة عمر، ويذكّر الإنسان بأن الرأي كلما مرّ على العقل والتجربة والمشاورة ازداد نضجًا وسلامة، وأن الحكمة ليست في سرعة القرار، بل في حسن عاقبته.
وفي عصرنا الحاضر أصبحت الحاجة إلى هذه الحكمة أشد من أي وقت مضى؛ فنحن نعيش زمن السرعة، حيث تُنشر الكلمات في ثوانٍ عبر وسائل التواصل، وتُتخذ المواقف تحت ضغط اللحظة، ثم يبقى أثرها طويلًا.
وقد يخسر المرء وظيفته أو صديقه أو سمعته، أو حتى نفسه بسبب تغريدة كتبها في غضب، أو مقطع صوره بطيش، أو قرار مالي اتخذه تحت تأثير الطمع أو الحماس. ولهذا أصبح من الحكمة أن يسأل الإنسان نفسه قبل أي قول أو فعل: هل هذا الرأي ناضج؟ هل تأملت عواقبه؟ هل استشرت من أثق بعقلهم وخبرتهم؟