سعدون مطلق السوارج
في التاريخ السياسي للمنطقة، توجد أحداث تنتهي بانتهاء لحظتها الزمنية، وتوجد تحولات أخرى تتجاوز حدود الحدث لتصبح نقطة فاصلة بين عصرين مختلفين.
وما يجري اليوم في الخليج، وخصوصًا في محيط مضيق هرمز، لا يبدو مجرد أزمة عابرة أو تصعيد بحري مؤقت، بل أقرب إلى لحظة إعادة تشكيل استراتيجية عميقة يُعاد فيها تعريف مفهوم القوة والاستقرار والسيادة في الشرق الأوسط كله.
لأن المنطقة لا تواجه اليوم مجرد تهديدات للملاحة الدولية، ولا مجرد توترات مرتبطة بإيران، بل تعيش لحظة انتقال تاريخية بين نموذجين مختلفين بالكامل:
نموذج يقوم على إدارة النفوذ عبر التهديد الدائم والفوضى الممنهجة واحتكار الجغرافيا البحرية كورقة ضغط سياسية، ونموذج آخر تقوده المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، يقوم على إعادة بناء الاستقرار الإقليمي وفق منطق الدولة الحديثة، والقانون الدولي، والأمن الاقتصادي العالمي.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية التحول الجاري. فلسنوات طويلة، ارتبط اسم الخليج في الوعي الدولي بمنطقة مضطربة تعيش تحت ضغط الأزمات، فيما بقي مضيق هرمز يُقدَّم باعتباره أحد أخطر نقاط الاختناق الاستراتيجية في العالم، القادرة في أي لحظة على تهديد الطاقة العالمية والتجارة الدولية.
ومنذ حرب الناقلات في الثمانينيات، تشكلت معادلة إقليمية شبه ثابتة:
كلما تصاعد التوتر مع إيران، عاد العالم للخوف من هرمز.
ومع مرور الوقت، تحولت هذه المعادلة إلى جزء من النفوذ الإيراني نفسه.
فطهران لم تعتمد فقط على قوتها العسكرية أو شبكات نفوذها الإقليمية، بل بنت جزءًا أساسيًا من حضورها الإستراتيجي على فكرة أن الجغرافيا البحرية يمكن تحويلها إلى أداة ضغط دائمة، تمنحها قدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي ورفع كلفة أي مواجهة معها.
وهذا ما يمكن وصفه بـ»اقتصاد التهديد الجيوسياسي».
أي تحويل الممرات البحرية إلى أدوات ردع سياسي وإستراتيجي. لكن ما تغيّر بصورة عميقة خلال المرحلة الأخيرة، أن الخليج نفسه بدأ بتفكيك هذه المعادلة، ليس عبر التصعيد المباشر، بل عبر إعادة تعريف قواعد اللعبة بالكامل.
وهنا يظهر التحول السعودي والخليجي بوصفه أحد أهم التحولات الاستراتيجية في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة. فالمملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي لم تتعامل مع التهديدات الإيرانية الأخيرة باعتبارها مجرد أزمة أمنية طارئة، بل باعتبارها تحديًا بنيويًا يستوجب إعادة بناء المنظومة الأمنية والسيادية والبحرية للخليج على أسس جديدة.
ولهذا جاءت التحركات الخليجية الأخيرة داخل المنظمة البحرية الدولية مختلفة تمامًا عن أي مرحلة سابقة.
فالخليج هذه المرة لم يتحرك بمنطق الاحتجاج السياسي فقط، بل بمنطق بناء ملف قانوني وتقني وسيادي متكامل يهدف إلى تثبيت حقيقة إستراتيجية شديدة الأهمية: أن مضيق هرمز ليس أداة نفوذ إقليمي، بل ممر دولي يخضع للقانون البحري العالمي وحرية الملاحة الدولية.
وهذا التطور بالغ الدلالة. لأن المعركة لم تعد مجرد معركة عسكرية أو بحرية، بل أصبحت معركة شرعية وسيادة وتعريف للقوة نفسها.
فالسعودية ودول الخليج بدأت عمليًا عملية «نزع الاحتكار السياسي» عن مضيق هرمز، عبر تدويل الملف، وتحويل أي تهديد للملاحة إلى قضية تمس الاقتصاد العالمي بأسره، لا مجرد نزاع إقليمي محدود.
ولهذا السبب، اكتسب القرار الأخير الصادر عن المنظمة البحرية الدولية أهمية استثنائية، بعدما شدد بصورة واضحة على حرية الملاحة وحق المرور العابر، وأدان الممارسات التي تهدد السفن التجارية والبحارة وحركة التجارة العالمية.
لكن ما يمنح التحرك الخليجي بعده التاريخي الحقيقي، أنه جاء في لحظة كانت المنطقة تقف فيها على حافة انفجار واسع.
ورغم ذلك، اختارت الرياض ودول مجلس التعاون مسارًا مختلفًا تمامًا عن منطق الانجرار نحو الحرب. ففي الوقت الذي تصاعدت فيه التهديدات البحرية، واستمرت الاعتداءات على الملاحة، وارتفع منسوب التوتر الإقليمي، تحركت السعودية والعواصم الخليجية لإعطاء الأولوية للحلول السياسية والتهدئة ومنع الانفجار الشامل.
وهنا تتجلى واحدة من أهم التحولات التي تعيشها المنطقة اليوم. لأن الخليج لم يعد يتحرك بعقلية «رد الفعل الانفعالي»، بل بعقلية الدولة الإستراتيجية التي تدرك أن استقرار المنطقة ليس مصلحة خليجية فقط، بل ضرورة دولية ترتبط بالطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد والاقتصاد العالمي كله.ومن هنا يمكن فهم أهمية دعم الرياض ودول الخليج للمسارات الدبلوماسية والوساطات الإقليمية، بما في ذلك التحركات الباكستانية التي تحدثت عنها مصادر سياسية وإقليمية متعددة، والمتعلقة بتنظيم وفد قانوني وتقني للتفاوض مع طهران ومحاولة احتواء التصعيد ومنع انهيار فرص الحلول السياسية.
وهذه النقطة شديدة الأهمية لأنها تكشف أن السعودية ودول مجلس التعاون لا تدير الأزمة بمنطق تسجيل النقاط السياسية أو تحقيق مكاسب لحظية، بل بمنطق إعادة إنتاج الاستقرار طويل المدى في المنطقة بأكملها.
فالرياض تدرك أن أي حرب واسعة في الخليج لن تكون مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل زلزالًا استراتيجيًا يهدد الاقتصاد العالمي، والطاقة، والممرات البحرية، وأسواق الاستثمار، وسلاسل الإمداد الدولية.
ولهذا أصبح واضحًا أن العقيدة الخليجية الجديدة تقوم على معادلة معقدة ودقيقة في آن واحد:
* حماية الأمن البحري والممرات الدولية.
* منع فرض واقع جديد في هرمز عبر التهديد أو القوة.
* تثبيت القانون الدولي فوق منطق الفوضى.
* الحفاظ على الردع الإستراتيجي.
وفي الوقت نفسه، إبقاء أبواب الحلول السياسية مفتوحة ومنع المنطقة من الانهيار.
وهذه المعادلة تحديدًا هي ما يجعل التحول الخليجي الحالي مختلفًا عن كل المراحل السابقة. لأن السعودية ودول مجلس التعاون لم تعد تدير «أزمة مؤقتة»، بل تعيد بناء مفهوم الأمن الإقليمي نفسه.
وهنا يظهر البعد الحضاري الأعمق في المشهد فالخليج الذي ارتبط لعقود طويلة بالنفط والتوترات الجيوسياسية، بدأ يتحول تدريجيًا إلى مركز عالمي لإدارة التوازنات الاقتصادية والطاقة والاستقرار البحري.
وهذا التحول لم يأتِ صدفة بل يرتبط بصورة مباشرة بالمشروع الإستراتيجي الكبير الذي تقوده المملكة العربية السعودية منذ سنوات، والقائم على إعادة تعريف مفهوم القوة في الشرق الأوسط.
فالقوة لم تعد تُقاس فقط بحجم الترسانات العسكرية أو القدرة على التصعيد، بل بقدرة الدول على حماية الاستقرار، وإدارة الاقتصاد، وتأمين الممرات الدولية، ومنع الفوضى.
ولهذا أصبحت رؤية السعودية 2030 أكثر من مجرد مشروع اقتصادي بل تحولت إلى مشروع لإعادة تشكيل البيئة السياسية والاستراتيجية للمنطقة كلها.
فالشرق الأوسط الذي تسعى الرياض إلى بنائه هو شرق أوسط يقوم على التنمية والممرات الاقتصادية والاستقرار طويل المدى، لا على الحروب المفتوحة والاقتصاد القائم على التوتر.
وفي المقابل، تواجه إيران اليوم تحديًا أكثر تعقيدًا من مجرد الضغوط السياسية أو البحرية.
لأن التحدي الحقيقي يتمثل في تراجع فاعلية «سياسة التهديد المستمر».
فكلما توسعت التحركات الخليجية داخل المؤسسات الدولية، وكلما تعززت شرعية حماية الملاحة الدولية، وكلما ازداد ارتباط الاقتصاد العالمي باستقرار الخليج، تراجعت قدرة طهران على استخدام هرمز كورقة احتكار إستراتيجي.
وهنا يكمن التحول التاريخي الأهم الذي تعيشه المنطقة اليوم: الشرق الأوسط ينتقل بهدوء من مرحلة كانت فيها الفوضى تصنع النفوذ.. إلى مرحلة أصبح فيها الاستقرار نفسه هو مصدر القوة. ولهذا، فإن ما تقوم به السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي اليوم لا يمكن اختزاله في مجرد تحركات أمنية أو مواقف دبلوماسية مرتبطة بأزمة مؤقتة. بل يمثل بداية إعادة تشكيل النظام الأمني والسياسي للخليج والمنطقة بأكملها.
إعادة تشكيل تقوم على:
* سيادة بحرية محمية بالقانون الدولي.
* ردع يمنع الفوضى دون الانجرار للحرب.
* دبلوماسية نشطة تمنح الحلول السياسية فرصتها الأخيرة.
* وتحول خليجي واسع من «إدارة الأزمات» إلى «قيادة التوازن الإقليمي».
وفي عالمٍ تتزايد فيه الاضطرابات والانقسامات، تبدو السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي اليوم وكأنها لا تدافع فقط عن أمن الخليج، بل تعيد تعريف معنى الاستقرار في الشرق الأوسط كله.
وهذا ربما هو التحول الأهم الذي سيبقى بعد أن يهدأ ضجيج التصعيد والتوترات: أن الخليج لم يعد مجرد جغرافيا نفطية تخشى الأزمات.. بل أصبح مشروع توازن عالمي صاعد، يقوده منطق الدولة، وحسابات الاستقرار، ورؤية طويلة المدى لمستقبل المنطقة والعالم.
** **
- باحث في التراث الكويتي والخليجي