خالد بن عبدالرحمن الذييب
عرف الإنسان الزراعة فبدأت النظم الطبقية تظهر لتدشن فصلاً جديداً من التفرقة والتراتبية بين المجتمعات المختلفة وفي بنيان المجتمع الواحد، فظهرت مصطلحات الأسياد والعبيد.
في حياة الترحال والصيد الأولى، كان التكافؤ هو سيد الموقف، تغلبني تارة وأغلبك تارة أخرى، لكن الانتقال إلى العصر الزراعي أحدث نقلة جذرية غيرت وجه التاريخ الإنساني برمته، وحملت في طياتها جانباً سلبياً عميقاً؛ إذ مَلَك طرفٌ واحد أسباب القوة واستطاع تسخير الطرف الآخر بالكامل لحسابه.
لقد بدأت الحكاية بخدعة تاريخية، حاز فيها طرفٌ السلاح واحتكره، وأعطى الآخر أدوات الفلاحة والزراعة قائلاً له: «ازرع الأرض وأنا سأحميك بسلاحي»، ومع مرور الزمن تحولت الصيغة إلى «ازرع وإلا عاقبتك، فالقوة معي». وعندما اكتشفت الطبقة الزراعية هذه الخدعة، كان الأوان قد فات؛ إذ تعودت الأجيال المتعاقبة على السلم الطويل، وتوارث الأحفاد المسالمون قيم الخضوع والامتثال حتى ظنوا أن خدمة الأسياد هي الوضع الطبيعي لهذا الكون.
إن الزراعة بطبيعتها تعلّم الناس الصبر، لكنه صبرٌ تحول إلى خنوع واستسلام، على عكس الصيد الذي يعلّم المغامرة، والمواجهة، وتكافؤ الفرص، ويوحي دوماً بأن القوة التي في يد غيرك اليوم بالإمكان انتزاعها لتكون في يدك غداً. ورغم أن الزراعة أسست المنظومة التي نعيشها اليوم، إلا أنها قدمت للإنسانية نظاماً يورث فيه الإقطاعي أبناءه السيادة والأرض والمال، بينما يورث المزارع الكادح نسله الفأس والمهنة والتبعية، ليمكث كلٌّ في طبقته خلف هرم اجتماعي جامد يستحيل اختراقه.
هذا التنظيم الصارم القائم على الخوف والاستسلام حجّم الأفكار بشكل مرعب؛ فالمجتمعات الزراعية ظلت فقيرة جداً في حصيلتها ونتاجها الفكري، لأن الإبداع يولد من تكافؤ الفرص.
أخيراً...
إننا نعيش اليوم في عالم ورث القوالب الكبرى لتلك الحقبة الزراعية، لكن بوجوه وأدوات جديدة.
ما بعد أخيراً...
قيمة الإنسان تكمن في كفاءته وعطائه، لا في المربع الذي وُجد فيه داخل هرمه الاجتماعي.