د. أنس عضيبات
في دورتها المتسارعة، تبدو المدن الحديثة الشاهقة أشبه بقطار سريع لا يتوقف، يركبه الصاخبون والنافذون ومن يملكون ثمن التذكرة، ولكن على رصيف هذا القطار، وفي ظلال المنعطفات المعتمة للأزقة المنسية، تعيش شريحة كاملة من البشر خارج حسابات الزمن؛ أولئك الذين انزلقوا من ذاكرة المجتمع وتلاشت ملامحهم في زحام الأيام إنهم العابرون بلا أثر، والواقفون على «هامش الحياة»؛ حيث لا تُسمع أصواتهم ولا تلمحهم العيون العجلى، وفي تلك المساحات المهجورة، لا تقاس المعاناة بنقص المادة فحسب، بل بذلك الشعور الوجودي القاتل بأنك أصبحت «غير مرئي»، وأن وجودك أو غيابك لم يعد يشكل فارقاً في لوحة العالم الكبيرة.
وهذا التهميش المزمن ليس مجرد حالة اقتصادية، بل هو «عزلة بصرية واجتماعية» تُفرض على الإنسان كعقوبة غير معلنة، فخلف البسطات المتواضعة على أرصفة الشوارع، وفي عيون باعة المناديل عند إشارات المرور، وفي ملامح عمال النظافة الذين يكنسون غبار الفجر، تقبع قصص إنسانية مجهولة، حيث يمر الناس من أمامهم كل يوم، ينظرون «من خلالهم» لا «إليهم»، وكأنهم جزء من الأثاث البارد للمدينة، إن هذا التجاهل البصري الجمعي يمارس نوعاً من «النفي المعنوي»، حيث يجرد الإنسان من حقه الفطري في الاعتراف بوجوده، ويحوله من كائن ذي قصة وأحلام وعائلة، إلى مجرد شبح عابر يُستعان بخدماته ويُغفل عن إنسانيته.
الأنسنة الحقيقية في تفكيك هذا الواقع تكمن في الغوص وراء الستار، لتأمل كيف يعيد هؤلاء المنسيون صياغة كرامتهم في مواجهة النسيان إنهم يمارسون «طقوس البقاء الصامت»؛ تجد أحدهم يحرص على نظافة هندامه المتهالك بكبرياء مذهل، وتجد أخرى تبتسم بمرارة وهي تتلقى ثمن بضاعتها البسيطة دون أن ترفع عينيها لئلا تلمح نظرة عطف أو ازدراء هؤلاء البشر لا يطلبون شفقة عابرة، بل يبحثون عن «أخوّة إنسانية» تعيد لهم اعتبارهم إنهم يخوضون معركة يومية شرسة ضد التلاشي، مستندين إلى حقيقة أنهم، ورغم قسوة الهامش، يملكون قلوباً تنبض بالحب، وعقولاً ترصد تحولات المجتمع بدقة قد لا يملكها من يجلسون في صالونات النخبة.
وفي عمق هذه الحياة الهامشية، ينمو اغتراب نفسي حاد تجاه مفهوم «الوطن والمجتمع» فالمنسيون لا يملكون ترف التخطيط للمستقبل؛ إذ تتركز طاقاتهم الذهنية والنفسية حول «تأمين اللحظة الراهنة»، وهذا الحصار الزمني المطبق يجعلهم يشعرون بأن قطار الزمن قد تجاوزهم بالفعل، وأن التطور التكنولوجي، والمشاريع الكبرى، والرفاهية المعروضة في شاشات الإعلانات المضيئة، هي عوالم موازية تخص بشراً آخرين إنهم يعيشون حالة «اللجوء الداخلي»، حيث يصبح البيت المستأجر في حي عشوائي أو الزاوية الباردة تحت الجسر هي الوطن الصغير والوحيد الذي يعترف بهم ويدثر أوجاعهم بعيداً عن عيون العالم الجافة.
والمفارقة المؤلمة في هذه الظاهرة، أن هذا التهميش غالباً ما ينتقل بالوراثة كقدر محتوم فالأطفال الذين يولدون على الهامش يكبرون وهم يرقبون انكسار آبائهم، ويتشربون مبكراً ثقافة «الانكفاء» وخفض السقف المعرفي للأحلام إنهم يرون بأعينهم كيف تتخطاهم الفرص لمجرد أن عناوين سكنهم أو طبقتهم الاجتماعية لا تتوافق مع معايير المدن الحديثة، وهكذا يتواطأ الصمت والنسيان على وأد مواهب وطاقات بشرية هائلة كان يمكن أن تساهم في نهضة المجتمع، لو أن عيناً واحدة التفتت إليهم بمسؤولية، أو أن يداً امتدت لتسحبهم من حافة الهامش إلى قلب المتن.
إن المقال الصحفي الذي يلتفت إلى أولئك الذين نسيهم قطار الزمن ليس مجرد مرثية بكائية، بل هو «وثيقة إدانة» موجهة لضمير المجتمع ومؤسساته إن أنسنة الهامش تقتضي أن نتوقف عن رؤية هؤلاء البشر كأرقام في إحصاءات الفقر والبطالة، وأن نبدأ في قراءتهم كشركاء حقيقيين في الإنسانية فالعدالة الاجتماعية لا تتحقق ببناء الأبراج الشاهقة وتوسيع الطرقات فحسب، بل بقدرة المجتمع على إبطاء قطاره قليلاً، والالتفات إلى الخلف، لانتشال أولئك الذين سقطوا على الرصيف؛ لأن سلامة البنيان بكامله تعتمد، في نهاية المطاف، على متانة الأطراف التي نسينا أن نلمحها.