نجلاء العتيبي
الأخلاق ليست فكرة تُقال في المناسبات، ولا شعارات تُستعاد عند الحاجة، وهي جوهرٌ يظهر في طريقة الإنسان وهو يعمل ويتعامل ويتحمَّل المسؤولية؛ فالمهام قد تُنجَز بأشكال متعددة، لكن قيمتها الحقيقية تُقاس بمدى حضور الضمير فيها، وبحفظ حقوق الآخرين وكرامتهم أثناء أدائها، ومن هنا تُصبح الأخلاق الإطارَ الذي يمنح العمل معناه الإنساني؛ لأن أيَّ مهنة مهما كانت لا تستقيم دون أمانةٍ ومروءةٍ وعدلٍ.
ولذلك فإن المجتمعات لا تُبنى على المهارات وحدها، وإنما على توازُنٍ دقيقٍ بين الكفاءة والقيم؛ فالموظف الذي يُراعي حقوق الناس، والطبيب الذي يصونُ إنسانية المريض، والمعلم الذي يؤدي رسالته بإخلاصٍ، والعامل الذي يُتقن عمله في غياب الرقابة، جميعهم يُشكّلون خط الدفاع الحقيقي عن المجتمع، وقد أسهمت جهود هيئة الرقابة ومكافحة الفساد (نزاهة) في تعزيز قيم النزاهة، وحماية المال العام، وترسيخ ثقافة المساءلة؛ ما يدعم حضور البُعد الأخلاقي في العمل العام، إلى جانب الأنظمة والعقوبات التي تضبط المخالفات.
في هذا السياق يتضح أن العمل ليس مجرد وسيلةٍ لكسب الرزق، وإنما صورة تكشف حقيقة الإنسان من الداخل، وهو قيمة إنسانية التي لا تكتمل إلا بحضور العدل والرحمة، حيث يتحوَّل الأداء إلى معنًى يتجاوز الشكل إلى أثره في الناس، وفي البيئة المحيطة، ولا يُقاس ذلك بظاهر الإنجاز أو حجمه، وإنما بما يحمله من أثر أخلاقي يعكس صدق الضمير وحضوره، فحيثما حضر هذا المعنى استقامت قيمة العمل وارتقى أثره.
ومن هنا تبرُزُ قيمة المروءة بوصفها جوهر الأخلاق في العمل، فهي التي تمنع الإنسان من الانحراف حين يكون الانحرافُ أسهلَ، وتُلزمه بالصدق حين يكون الكذبُ أسرعَ طريق للربح، وتدفعه إلى العدل حتى مع مَن لا يملك القدرة على الدفاع عن نفسه؛ فصاحب المروءة لا يُقاس بمدى ما يربح، وإنما بمدى ما يحفظُهُ من كرامته وضميره؛ لأنه يرى أن الأمانة أصلٌ لا يكتمل العمل بدونه.
وقد جاءت الشريعة لتُؤكّد هذا المعنى وتُؤسّس له، فجعلت الإتقان قيمة أخلاقية قبل أن يكون مهارة مهنية، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله يُحِبُّ إذا عَمِلَ أحدُكُمْ عملًا أن يُتقنَهُ». فالإتقان صدق داخلي ينعكس في الأمانة والاحترام والإخلاص، ومن هذا المنطلق يُصبح الإهمال والغش واستغلال حاجات الناس صورًا من الخيانة التي لا تهدم العمل وحده، وإنما تمتدُّ لتُفسد المجتمع كله.
وتاريخ المؤسسات والمجتمعات يُؤكّد أن كثيرًا من الأزمات لم تبدأ بقراراتٍ كبرى، وإنما بأخطاء أخلاقية صغيرة: توقيع غير صادق، تقرير مزيَّف، تأخير متعمَّد، أو استغلال منصب. ومع مرور الوقت تتحوَّل هذه التفاصيل إلى ثقافة عامة تُضعف الثقة بين الناس، وحين تنهار الثقة يُصبح المجتمع أكثر قلقًا وشكًّا، حتى لو بدا متقدمًا من الخارج.
ومن هنا يتضح أن قوة الأمم لا تقوم على الأنظمة وحدها، وإنما على الإنسان الذي يضع ضميره قبل القانون؛ فالقانون يمنع الخطأ بعد وقوعه، أما الأخلاق فتمنع الرغبة فيه من الأساس؛ ولهذا فإن وجود الإنسان صاحب الخُلُق في أي بيئة هو مصدر أمان حقيقي؛ لأنه يحفظ الحقوق، ويصون الكرامة، ويمنح التعامل بين الناس طمأنينةً واستقرارًا.
وعندما تغيب المروءة يتحوَّل العمل إلى مساحة صراع خفية، يسعى فيها كلُّ فرد إلى مصلحته على حساب الآخرين، فتضعف الرحمة ويقلُّ الوفاء، ويصبح النجاح مرتبطًا بالقدرة على الالتفاف لا بالاستحقاق الحقيقي، وعندها يفقدُ الإنسان المعنى العميق لعمله، حتى لو حقَّق مكاسب مادية أو مكانة ظاهرية.
أما حين تحضُرُ الأخلاق، فإن العمل يتحوَّل إلى قيمة إنسانية متكاملة؛ فيصبح الإتقان احترامًا للذات، والعدل التزامًا، والرحمة قوةً، والأمانة مبدأً ثابتًا. والأثر نقيًّا في كل مكان.