د. إبراهيم بن جلال فضلون
فن بناء الأمم.. «إن طموحنا هو أن نبني وطناً أكثر ازدهاراً، يجد فيه كل مواطن ما يتمناه، فمستقبلنا، لا قدر الله، إن لم نعلّقْه بنجم، فلن نصل حتى إلى القمر».. بهذه الكلمات الاستشرافية لمهندس التحديث وباني النهضة السعودية المعاصرة، ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تتجلى حقيقة تنموية كبرى رسم محمد بن سلمان ملامح الطموح السعودي الجديد، وقوة جبل طويق التي ارتفعت فوق هام السماء، وهو طموح لا يقوم على الوفرة النفطية وحدها، بل على إعادة صياغة الدولة الحديثة، فكان -أيده الله- هدفه الأول: «أن تكون السعودية نموذجاً ناجحاً ورائداً في العالم على كافة الأصعدة، وسأعمل معكم على تحقيق ذلك». فالأوطان لا تُقاس بمساحاتها الجغرافية أو بمصادفات الوفرة الطبيعية، وإنما بعمق الرؤية السياسية والقدرة الإدارية على تطويع التحديات وتحويلها إلى مكتسبات بمنطق الكفاءة والرؤية بعيدة المدى، فلم يأتي بذلك من فراغ، بل تعلم ودرس وفهم التحول في تجارب عالمية ملهمة شكّلت مرجعاً فكرياً لصنّاع القرار، وفي مقدمتها تجربة سنغافورة كما وثقها لي كوان يو في كتابه من العالم الثالث إلى الأول؛ ذلك الكتاب الذي تحول من مجرد سيرة سياسية إلى دليل عملي في فن بناء الأمم.
الإنسان والدولة: منذ منتصف القرن العشرين، بقيت أدبيات التنمية الاقتصادية والاجتماعية تبحث عن نموذج تطبيقي صارم يكسر حلقة الفقر المفرغة في دول العالم النامي، لتولد كمعجزة إدارية حية، تجربة سنغافورة - التي انفصلت عن الاتحاد الماليزي عام 1965 - لا لمجرد كونها قصة نجاح مالي، بل لأنها تمثل انتصاراً للمنهجية العقلانية البراغماتية على الأيديولوجيات الجامدة، فلم يكن أحد يتوقع أن تتحول الجزيرة الصغيرة الفقيرة إلى واحدة من أكثر دول العالم تقدماً خلال جيل واحد فقط، في تجربة فريدة للانتقال من قاع الارتباك التنموي إلى قمة التنافسية العالمية في غضون جيل واحد.
كانت دولة بلا موارد طبيعية، وتغرق في صراعات عرقية وجيوسياسية معقدة بل وبطالة خانقة، لكن الملك عبدالعزيز قرأ الأزمة بوصفها فرصة تاريخية، فاختار أن يبني دولة تقوم على الإنسان لا على الجغرافيا، وعلى الانضباط لا على الشعارات، وعلى المؤسسات لا على الارتجال، أي بمنهجية مُفادها في مبدأ بسيط لكنه شديد التعقيد في التنفيذ: «تطوير قدرة تنافسية فائقة تعوض غياب الموارد الطبيعية، والاعتماد المطلق على رأس المال البشري كأصل إستراتيجي وحيد»، لينتهي هذا المطاف بمحمد بن سلمان الذي جدد وأضاف لتكون المملكة كما تراها اليوم.
من العالم الثالث إلى الأول: يقول (لي كوان يو) في كتابه «من العالم الثالث إلى الأول» محطة تأمل عميقة لدى صناع السياسات والمخططين الإستراتيجيين في دول الخليج العربي عامة، والمملكة العربية السعودية خاصة، شارحًا فلسفة متكاملة لإدارة التحول الحضاري. فالقواسم المشتركة -رغم تباين المساحة الجغرافية والملاءة المالية- تكمن في الرغبة العميقة في الفكاك من أسر الاعتماد على المتغيرات الأحادية (سواء كانت موانئ في حالة سنغافورة القديمة، أو النفط في حالة الخليج) والتحول نحو «اقتصاد المعرفة» و»الاستدامة المؤسسية». خصوصاً مع سعي الخليج إلى تنويع اقتصاداتها والتحول نحو اقتصاد المعرفة. فكلاهما يعتمد على التجارة العالمية، وكلاهما يدرك أن الموارد الطبيعية وحدها لا تصنع المستقبل.
التقاطع البنيوي مع رؤية 2030: من هنا ربحت المعرفة من بناء المدن العالمية والمراكز اللوجستية كعملية هندسة شاملة للبيئة التشريعية والقانونية، لا مجرد عمليات إنشائية وضخ للأموال. هذه الأفكار لم تبقَ داخل حدود سنغافورة، بل أصبحت مرجعاً ملهماً لدول الخليج العربي، في السياق السعودي تحديداً، تبدو نقاط الالتقاء واضحة بين فلسفة لي كوان يو ومرتكزات رؤية السعودية 2030، لا تركز فقط على المشاريع العملاقة والبنية التحتية، بل تسعى إلى إعادة تشكيل البيئة التشريعية، وتحسين جودة الحياة، وتعزيز كفاءة المؤسسات، ومحاربة الفساد، والاستثمار في رأس المال البشري. وهي ذات الفكرة التي عبّر عنها لي كوان يو حين فرّق بين «الهارد وير» و»السوفت وير»، مؤكداً أن بناء المدن أسهل من بناء الأنظمة التي تمنحها الحياة والاستدامة. وهُنا لابد من الوقوف عند أقوال مهمة له خلال حديثه عن مدينة الملك عبدالله الاقتصادية، أبان فيها أن نجاح المدن الاقتصادية لا يتحقق بالمباني الفاخرة وحدها، بل بوجود قوانين شفافة، وقضاء عادل، وتعليم نوعي، وبيئة جاذبة للعقول والاستثمارات. وهي الفلسفة ذاتها التي تعكسها اليوم المشاريع السعودية الكبرى مثل نيوم، كنماذج مستقبلية للحياة والاقتصاد والإدارة.
استدامة النهوض ومواءمة الأصالة: إن العبرة من دراسة تجربة لي كوان يو لا تكمن في محاكاتها حرفياً، بل في استخلاص الآليات التشغيلية وتكييفها مع الخصوصية الوطنية السعودية فالتنمية ليست قراراً اقتصادياً فحسب، بل ثقافة دولة كاملة، توحدت فيها أطياف المجتمع ومن عليها من أخوة وافدين ومقيمين ومستثمرين حول قيادة رشيدة هندست الرؤية بخُطى تنموية إنسانية صريحة، بدأت مأسسة النزاهة عبر قوانين صارمة وهيئات رقابية مستقلة، وربط الترقيات في الجهاز الحكومي بالكفاءة والنتائج لا بالولاءات والمحسوبيات. كما استخدم التكنولوجيا لتقليل الاحتكاك البشري في المعاملات الحكومية، ما ساهم في تضييق منافذ الفساد وتعزيز الثقة بالمؤسسات، وربما كانت صراحته الحادة أحد أسباب الجدل الكبير حوله، إلا أنها ساعدت في اختراق الضباب الدعائي الذي كثيراً ما يحيط بمشاريع التنمية في الدول النامية.. فكان:
الدرس الأول - بناء نظام تعليمي مرن وديناميكي: فقامت الرؤية بربط مخرجات التعليم التقني والفني بحاجات السوق المستقبلية قبل الراهنة، بل وكيفت المناهج الجامعية والتدريبية وفق احتياجات السياسات المحلية؛ لمواكبة الثورة الصناعية الرابعة، والأمن السيبراني، والطاقة المتجددة، لضمان ألا يتحول الخريجون إلى عبء على الاقتصاد بل قاطرة له، وهو ما نجده في السعودة وشعار (صُنع في السعودية).
الدرس الثاني - تطوير «البرمجيات التشريعية» بالتوازي مع المشاريع العملاقة: باستخدام التكنولوجيا لتقليل الاحتكاك البشري في المعاملات الحكومية، ما ساهم في تضييق منافذ الفساد وتعزيز الثقة بالمؤسسات، فلا يمكن النجاح إلا ببنية تحتية صلبة كالأبراج والموانئ، بل وقبلها البنية الناعمة كالأنظمة الحاضنة للمواهب العالمية والتشريعات المرنة. وبالتالي فاستمرار المملكة في صياغة قوانين استثمارية وتجارية وقضائية خاصة بالمناطق الاقتصادية (مثل نيوم والقدية) هو التطبيق العملي الأمثل لهذا الدرس التنموي الشامل.
إن الأمم تصنع أقدارها بجهد أبنائها، وبصلابة مؤسساتها، وبوضوح رؤيتها التي بدأت من الصفر، ولم تكن تمتلك في أراضيها سوى فضاءات قاحلة تجوبها أسراب الـحبارير، استطاعت عبر الإدارة المُلهمة مأسسة الفضاء العام وتحويله إلى بيئة جاذبة للعقول والاستثمارات، وهُنا وقفت أمام كلمة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز: «هدفي الأول أن تكون بلادنا نموذجاً ناجحاً ورائداً في العالم على كافة الأصعدة، وسأعمل معكم على تحقيق ذلك». وهو هدف تاريخي يرسم لنا رحلة التنمية الوطنية، فلا تعني استنساخاً أعمى للنماذج الغربية أو الآسيوية، بل هي عملية استلهام ذكية للتجارب الناجحة مع الإبقاء على الخصوصية الثقافية والقيم الأصيلة للمجتمع.
وقفة:
حين تُبنى المؤسسات على الكفاءة والنزاهة، تصبح الدولة أكبر من حدودها الجغرافية، والمملكة اليوم عبرت بثقة نحو المستقبل، وأثبتت للعالم أجمع أن الرؤية الإستراتيجية المتكاملة، المصحوبة بالعمل الجاد والنزاهة المطلقة، كفيلة بأن تجعل من تجربة التحول السعودية المعاصرة مرجعاً ملهماً وقصة نجاح عالمية جديدة تتحدث عنها الأجيال القادمة بكثير من الفخر والاعتزاز.