د. طلال الحربي
حين يمتلك الإنسان سقفاً يأويه ونافذةً يطلّ منها على الحياة، تتكامل كرامته وتستوي، ويصبح عضواً فاعلاً في مجتمعه قادراً على العطاء والبناء. وقد أدركت المملكة العربية السعودية هذه الحقيقة العميقة إدراكاً متقدماً، فجعلتها في صميم رؤيتها الطموحة للعام 2030، إذ لا جودةَ للحياة بلا سكنٍ كريم، ولا استقرارَ اجتماعياً دون مأوى آمن يحتضن الأسرة ويصونها.
وما كانت هذه الرؤية لتنتقل من دائرة التطلعات إلى ميدان الإنجازات لولا ما شهدناه من تحوّل جذري في منظومة الإسكان الوطني خلال السنوات الأخيرة، تحوّل يقوم على ثلاثة أركان متلاحمة: إرادة قيادية راسخة، وتشريعات حكومية رائدة، وقطاع غير ربحي ناضج يملأ الفجوة بين ما تبذله الدولة وما يحتاجه أبناؤها. وقد ارتفعت نسبة تملّك المواطنين للمساكن ارتفاعاً لافتاً، وانتشلت برامج الدعم السكني مئات الآلاف من الأسر من طول الانتظار إلى رحابة الاستقرار.
غير أن الدولة بكل جهازها الحكومي تعلمُ يقيناً أن ثمة شرائح في المجتمع تحتاج يدُ الدعم المباشر، أسراً تعيش على الكفاف في صمت، وأرباب بيوت يعجزون عن الإفصاح عن أحوالهم، ومواطنون لا تُؤهّلهم ظروفهم للنفاذ إلى برامج التمويل التقليدي. وهنا بالذات نشأت الحاجة إلى كيانٍ من نوع مختلف، كيانٍ لا يُشبه الوزارة ولا يُضاهيها، بل يُكمّلها ويمتدّ حيث لا تصل أصابعها، فكانت مؤسسة الإسكان التنموي الأهلية «سكن».
«سكن» ليست مجرد اسم تأسيسي لجمعية تُدرج في سجلات القطاع غير الربحي، بل هي تجسيدٌ حي لفلسفة أن العطاء لا يُؤتي ثماره الحقيقية إلا حين يتحوّل إلى نظام، وأن الخير لا يبلغ غاياته حين يبقى عفوياً غير مُحكَم، فأوجدت «سكن» منصتها «جود الإسكان» لتكون البنيةَ التحتية لعطاء المجتمع السعودي في مجال الإسكان، ولتجعل من التبرع بريالٍ واحد يومياً جزءاً من منظومة إسكانية متكاملة تصل حتماً إلى من يستحقها.
ومنذ انطلاقتها عام 2019م بدعم سخي من القيادة الرشيدة، تجدّد هذا الدعم سنةً بعد سنة، حتى باتت تبرعات ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بمبلغ يبلغ مليار ريال رمزاً من رموز الوفاء بالعهد تجاه المواطن المستحق. وليس ذلك إلا تعبيرٌ صادق عن إيمان القيادة بأن توفير المسكن الكريم واجبٌ وطني لا يقل شأناً عن سائر متطلبات الحياة. وحين تتدفق هذه التبرعات الكريمة لتصبّ في صناديق مؤسسية محكومة بأعلى معايير الحوكمة والشفافية، يتحوّل العطاء من حدثٍ آني إلى أثرٍ تنموي ممتد.
وما أن يتأمل المرء ما أنجزته «سكن» حتى يدرك أن الأرقام في هذه الحالة ليست مجرد إحصاءات باردة، بل هي حكاياتُ بيوتٍ أُضيئت وأسرٍ استقرّت وأطفالٍ نشأوا في رحاب أمان. ما يزيد على مئتين وتسعين ألف مستفيد، واثنتان وخمسون ألف أسرة تمتلك اليوم مسكنها، وقرابة ستة آلاف أسرة كُفل إيجارها، فضلاً عن صندوق الوقف الذي يحمل بذور الاستدامة حتى العام 2030 وما بعده، إذ تتراكم أصوله لتموّل بناء أكثر من اثني عشر ألف وحدة سكنية من عوائد استثمارية مُصوَّبة نحو إحداث الأثر.
وتتجلى عبقرية «سكن» التصميمية في تنوع منتجاتها السكنية التي تُحاكي تنوّع أحوال المستحقين، فمن منتج «وعد» للانتفاع المنتهي بالتمليك، إلى منتج «عمّار» التمويلي السكني الذي يُخفّف وطأة الدفعة المقدمة، إلى «اعتزاز» الذي يُكرّم منسوبي الدولة وذويهم، إلى منتج «الترميم» الذي يصون كرامة الأسرة حين تتهالك جدران بيتها، وصولاً إلى دعم الإيجار للحالات الإنسانية العاجلة، كل ذلك ضمن هندسةٍ تشغيلية تشترك فيها الجمعيات الأهلية الشريكة على امتداد مناطق المملكة، لتكون «سكن» قلبَ المنظومة النابض وإدارتها المركزية المُوجِّهة.
ولا يُقلَّل من شأن هذا الكيان أنه أهلي وليس حكومياً، بل إن في ذلك قوّتَه وسرّ مرونته، فهو يتحرك بسرعة السوق وبروح الخير معاً، ويُفيد من حرية القطاع الخاص دون أن يتخلى عن مسؤولية الأمانة العامة، ويجمع بين دقة الحوكمة المؤسسية وحرارة العمل الإنساني. وقد أدرك مجلس أمنائها برئاسة معالي وزير البلديات والإسكان ، الذي يضم نخبةً من العقول السعودية ذات الخبرة والمسيرة الحافلة وامينها العام وفريقه المميز ، أن العطاء لا يُدار بالنوايا وحدها، وأن الشفافية وقياس الأثر شرطان أصيلان لاستمرار ثقة المانحين وديمومة التبرعات.
وحين أطلقت «سكن» شهادتها الوقفية الرقمية في شهر رمضان الفضيل من عام 1447هـ لتكون الأولى من نوعها في مجال الإسكان التنموي في المملكة، لم تكن تُطلق مجرد وثيقةً إلكترونية، بل كانت تُؤسّس لعلاقة جديدة بين الواقف والمستفيد، علاقةٌ تمتد عبر الزمن وتتجاوز حدود العمر، إذ يظل أثر الواقف حياً طالما دفأت داره أسرةً مستحقة.
الشاهدُ في كل هذا أن المملكة العربية السعودية لا تكتفي بوضع الهدف وإعلانه، بل تبني المنظومة الكاملة لتحقيقه، وأن القطاع غير الربحي في هذه البلاد لم يعد ملاذاً للجهود المتفرقة، بل صار ركيزةً إستراتيجية في منظومة التنمية الوطنية، تُحرّكها قيادةٌ مُلهِمة وتُنفّذها طواقم مُخلِصة ويمدّها مجتمعٌ لم يَبخَل يوماً حين عرف أن عطاءه يصل إلى من يستحقه بأمانة وإتقان. وما «سكن» في نهاية المطاف إلا خلاصةُ هذه المعادلة الحضارية الرفيعة.