عبدالعزيز صالح الصالح
يستند كتاب الله العظيم إلى مظاهر عدة من أبجديات الإعجاز، الذي يوضح للأمة البشرية أن هذا الكتاب الكريم أنزل على نبي الرَّحمة محمَّد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه ليكون دليلا في الدَّعوة إلى سبيل الله وكان من جملة ما حمل من القوَّة على استنهاض العقل البشري فالقرآن بنورانيته المعجزة جاء ليخرج الناس من ظلام الفكر الوهمي إلى نور اليقين العلمي.
فالله سبحانه وتعالى يقول: {قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} سورة يونس آية (101).
فالمرء يجد من الدَّقة فيه التعبير، وقوّة فيه استنهاض العقل وسبر في أغوار الكون وذلك بمنهاج علمي حكيم فإن العلوم التجريبية تقوم على الملاحظة والفرضية والتجربة وذلك من أجل بناء الحقيقة العلميَّة فإن المنهاج القرآني قد سبق تلك العلوم بقرون عدَّة حيث استوعب بإعجازه كل هذه الخطوات بل تجاوزها إلى حد التوثيق الزماني والمكاني، حيث إن كلمات الله: تخاطب العقل، والقلب، والوجدان فتضيء العقل، وتهز القلب ويمتع الوجدان، ويحرك الإرادة ويدفع إلى العمل.
ومن خصائص كتاب الله الكريم أنه ميسَّر للفهم والذكر، ليس ككتب الفلاسفة، التي تتطلع إلى الألغاز المعقدة، وليس كالأدب الذي يغلو في إخفاء الدلائل، والإشارة إلى الأفهام بالرموز، والأشياء البعيدة، وكذلك تغليف المعاني بأغلفة شتَّى مما تجعله عسير الفهم، عصي الإدراك على عقل الإنسان العادي. فالله سبحانه وتعالى أنزل هذا الكتاب لتعقل معانيه وأهدافه، وتفقه أحكامه، وتدارك اسراره، وتدبر آياته حيث أنزله المولى عزَّوجل واضحاً، مبيناً منيراً، لا غامضاً ولا مغلقاً، ولا معقداً. حيث يقول المولى جل ثناؤه {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} سورة يوسف آية (2).
وقال تعالى: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} سورة فصلت آية (3).
وقال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} سورة ص آية (29).
فالبشر ليسوا سواء في فهم كتاب الله الكريم والاستنباط منه، فكل إنسان يأخذ من كتاب الله على قدر ما يتسع له واديه.
كما قال الحق تبارك وتعالى: {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} سورة الرعد آية (17). وقال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} سورة العنكبوت آية (43).
وليس في كتابه الكريم أسرار خاصَّة محجوبة عن أهل العلم، ولا بواطن خفية لا يصل إليها إلاَّ أناس يرون أنهم متميزون عن سائر البشر، تفتح لهم وحدهم المغاليق، ويفسح لهم الطريق دون غيرهم من البشر.
فقد اتخذ البعض من البشر على أن كتاب الله كله يحتمل تفسيرات متعدِّدة وإفهامات متباينة ولو صح ما أدعوه على كتاب الله الكريم، لم يكن هناك معنى لإجماع الأمة كاملة بكل طوائفها على أن القرآن العظيم هو المصدر الأول للإسلام عقيدة وشريعة ولم يكن هناك معنى لوصف الله تعالي القرآن بأنه - {نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} سورة المائدة آية (15).
وقال تعالى: {قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا} سورة النساء آية (174).
فهذه الآيات الكريمات سابقة الذكر: فإنها تعطي للقرآن الكريم قوته الخارقة على استنهاض العقل البشريِّ، ويجعله مفتاح باب الفهم والإدراك لمن أراد الدخول من ظاهر القشر الى باطن اللب، وإلاَّ ما جاء استفهامه عن مستويات أهل العلم مختوماً بقول الله عز وجل {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} سورة الزمر آية (9). فاللب هو أصل الشيء فكتاب الله يحتوي على آيات محكمات، وآيات متشابهات تحتمل على أكثر من فهم وذلك بسبب طبيعة اللغة، وما تحتويه من حقيقة ومجاز، وصريح وكتابة، وإفهام بالعبارة، وإفهام بالإشارة، وتنوع في دلالات الألفاظ والجمل، ما بين عام وخاص، ومطلق ومقيد إلى جانب طبيعة البشر، واختلافهم في درجات الفهم والاستيعاب، وفي الميل إلى الظواهر، أو الغوص إلى المقاصد، وفيه الأخذ بالمعنى القريب أو استنباط المعني البعيد فالقرآن يخاطب الجميع.
ولذلك طبيعية الإسلام الذي يريد أن يعامل البشر بواسطة عقولهم في طلب الحقيقة، واجتهادهم في التفقه في الدين وعلومه ومن عرف هذه الأمور – عرف حكمة الله تعالى في إنزال المتشابهات في كتابه العظيم ويقول الباري عزَّوجلَّ في محكم كتابه الكريم {قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ} سورة الأنعام آية (104).
فالعلم أمر مشاع بين كافَّة البشر والتزود منه حق، إلاَّ أن المسلمين منذ فجر الإسلام اعتبروه واجباً، لأنه ضرورة في فهم حقيقة هذا الدين العظيم - ويقول الحق تبارك تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} سورة محمد آية (19).
ويعتبر وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى - كما قال تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} سُورة النحل آية (125).
فلا غرابة في هذه الحقيقة، لأن العلم كان دأب كل الرسالات السماوية منذ آدم عليه السَّلام الذي قال في حق ربُّه جل وعلا - {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ} سورة البقرة آية (31).
فإن دعوة إبراهيم عليه السَّلام إلى التوحيد من منطلق علمي كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} سورة الأنعام آية (75).
إلى خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه الذي جمعت رسالته كل علوم الأنبياء السابقين. ولعل هذه الآية الكريمة تعتبر مدخلا لهذا الحديث كما قال تعالى - {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} سورة الزمر آية (9).
سوف أسلط الضوء على تفاصيل هذه الحقيقة فأولو الألباب هم الذين وصفهم الحق تبارك وتعالى في قوله: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ} سورة ال عمران آية (190).
إذن، هم الذين ينطلقون من هذه المراجع الكونية التي أحكمت آياتها في السماوات والأرض، يبتغون ببصيرتهم استجلاء تلك الأسرار الكامنة خلف المكونات الدالة على عظمة المكون ودقة إحكامه لعالم الأكوان فهؤلاء إذن، هم المتفكرون الذين فتح الله بصائرهم على أسرار الكون ليسترشدوا بها على وحدانية المكون، فكانوا لا يفصلون الفكر عن الذكر كما وصفهم الله تعالى في بقية الآية بقوله: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} سُورة آل عمران آية (191).
فهؤلاء كان تفكرهم ذكراً وذكرهم تفكراً، لأنهم ما استعملوا عقولهم في استظهار الحقائق، ولا استدلوا بوهج الأنوار المشرقة في قلوبهم على بواطن الخلائق إلاَّ من خلال استحضارهم لمصدر النور الساري فيها وهو الله جل وعلا الذي لولا نوره ما ظهر حق فيه ظلمة الوجود كما قال ابن عطاء الله السكندري يرحمه الله فيه إحدى حكمه الكون كله ظلمة، وإنما أناره ظهور الحق فيه.
فمن رأى الكون ولم يشهده فيه أو عنده أو قبله أو بعده فقد أعوزه وجود الأنوار وحجبت عنه شموس المعارف بسحب الآثار.
والله الموفق والمعين.