منصور بن صالح العُمري
يا غافرَ الذنب، يا قابلَ التوب، يا من لا يضيع عنده أنينُ المنكسرين..
ها أنا في يوم عرفة، لا أرى لنفسي عملًا أعتدّ به، ولا طاعةً أُدِلّ بها عليك،
بل أرى يا ربّ لطفك وحدك.. وأرى ذنبي.. وأرى فقري.. وأرى رحمتك التي وسعت كل شيء.
يا رب..
هذا يومٌ تدنو فيه من عبادك، لا دنوَّ تمثيلٍ ولا تكييف، بل دنوًّا يليق بجلالك،
فتفتح أبوابك، وتبسط يدك، وتقول لعبادك: أقبلوا..
فجئنا يا ربّ لا نمشي بأقدامنا، بل بقلوبٍ أنهكها البعد،
جئنا وقد أعيتنا طرق الدنيا، فلم نجد إلا طريقك.
يا رب..
إن كان في صحيفتي ما يستوجب ردّي، ففي حلمك ما يستدعي قبولي،
وإن كانت ذنوبي قد كثرت، فإن رحمتك أكثر،
وقد قلتَ: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156]،
فهل أنا يا ربّ خارجٌ عن هذا «الكلّ»..؟
يا رب..
ها أنا أقف بين يديك، لا أملك إلا الاعتراف: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا} [الأعراف: 23]،
فإن لم تغفر لنا وترحمنا، لنكونن من الخاسرين.
أقولها اليوم لا تلاوةً، بل حالًا.. لا لفظًا، بل انكسارًا.
يا ملاذَ النادمين..
كم دعوتك بلسانٍ غافل، وكم وقفت بين يديك بقلبٍ ساهٍ،
وكم وعدتُ ثم نقضت، وعاهدتُ ثم بدلت،
لكنني اليوم لا أعود بكلماتٍ محفوظة، بل بقلبٍ مكسور،
وقد علمتُ أن الكسر بين يديك جبر، وأن الانطراح على بابك عزّ.
يا رب..
قال نبيك صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل» (رواه مسلم)،
وها هو يومٌ بُسطت فيه الأيدي، ونصبت فيه أبواب القبول،
فلا تحرمني يا ربّ من بسط يدك بعفوك إذ بسطتُ يدي بالتوبة ، ولا تُغلق دوني بابك ، وأنت تنادي أفيضوا عبادي مغفوراً لكم .
يا رب..
إن لم أكن أهلًا أن تُعطيني، فأنت أهلٌ أن تغفر لي،
وإن لم أبلغ بطاعتي رضاك، فإني أرجو برحمتك نجاتي،
وقد قلتَ: {وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ} [آل عمران: 135].
يا رب..
علّمتني أن أفرّ إليك، ففررتُ،
علّمتني أن أستغفرك، فاستغفرتُ،
علّمتني أن لا أقنط، فها أنا بين يديك راجياً..
فلا تردّني خائبًا وقد جئتُك مستسلمًا.
يا رب..
هذا يومٌ يُباهي فيه أهل السماء بأهل الأرض،
فاجعلني -بفضلك- ممن باهيتَ بهم،
ولا تجعلني ممن نظرت إليهم فوجدت قلوبهم خالية، وألسنتهم لاهية.
يا رب..
أخاف أن أنصرف من هذا اليوم كما جئت،
فأيُّ حسرةٍ تلك؟
وأيُّ خسرانٍ أعظم؟
وقد قال نبيك صلى الله عليه وسلم: «رغم أنفُ رجلٍ أدرك يوم عرفة فلم يُغفر له» (صححه بعض أهل العلم بمجموع طرقه).
فيا رب..
إن لم تغفر لي اليوم.. فمتى؟
وإن لم ترحمني الآن.. فمتى؟
يا رب..
إني لا أسألك ردّ القضاء، ولكن أسألك اللطف فيه،وعافيتك هي أوسع لنا.
ولا أسألك أن تُعطيني فحسب ، فقد توالى عطاؤك بلا انقطاع ، ولكن أسألك أن ترضى عني، وتسعدني ،فإن رضيتَ عني،وأسعدتني ورعيتني بعنايتك، فقد أجزلت لطفك.
اللهم..
اجعل دموعي هذه شاهدةً لي لا عليّ،
واجعل هذا الانكسار عزيمة استقامة،
وهذا الندم طريق توبة،
وهذا اليوم ميلاد قلبٍ جديد.
اللهم..
اكتبني من عتقائك من النار،
ومن المقبولين عندك،
ومن الذين إذا وقفوا بعرفة غُفرت ذنوبهم، ورُفعت درجاتهم، وقُبلت دعواتهم.
يا رب..
أشهدك أني تائب،
وأشهدك أني راجع،
وأشهدك أني لا أملك إلا وقوفي ببابك..
فلا تغلقه دوني، وقربني إليك وأرضني وارضَ عني، ووالدي ووالديهم وأهلي وذريتي وإخواني وأخواتي وجميع أحبابي وقرابتي وجيراني وصحبي ومن قال آمين وجميع المسلمين.
عبدك الفقير إليك